تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
أن يكون ترك الإشراك من فضل اللّه - تعالى - والقاضي يصرفه إلى الإلطاف والتسهيل ؛ فكان هذا تركا للظاهر ، وأمّا صرفه إلى النبوة ، فبعيد ؛ لأن اللفظ الدالّ على الإشارة يجب صرفه إلى أقرب المذكورات ، وهو هنا عدم الإشراك . قوله تعالى :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ
: يجوز أن يكون من باب الإضافة للظرف ؛ إذ الأصل : يا صاحبيّ في السّجن ، ويجوز أن تكون من باب الإضافة إلى المشبه بالمفعول به ، والمعنى : يا ساكني السّجن ، وذكر الصّحبة ، لطول مقامهما فيه ؛ كقوله تعالى :
أَصْحابَ النَّارِ
[ الأعراف : 44 - 50 ] . وقوله :
أَمِ اللَّهُ
، هنا : متّصلة ؛ عطفت الجلالة على « أرباب » .

فصل [ في أنه لما ادّعى النبوة في الآية الأولى ، كان إثبات النبوة مبنيا على إثبات الإلهيّة ]

اعلم أنه - عليه الصلاة والسلام - لما ادّعى النبوة في الآية الأولى ، وكان إثبات النبوة مبنيّا على إثبات الإلهيّة ، لا جرم شرع في هذه الآية في تقرير الإلهيات ، ولما كان أكثر الخلق مقرّين بوجود الإله العالم القادر ، وإنما الشأن في أنهم يتخذون أصناما على صور الأرواح الفلكية ، ويعبدونها ، ويتوقّعون حصول النّفع « 1 » والضّر منها ، لا جرم كان سعي أكثر الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - في المنع من هذه ، وكان الأمر على هذا إلى زمان يوسف - صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى الأنبياء والمرسلين - . فلهذا السبب ، شرع في ذكر ما يدلّ على فساد العقول بعبادة الأصنام ؛ فقال :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
، والمراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار ، وتقرير فساد القول « 2 » بعبادة الأصنام : أنه - تعالى - بيّن أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد في هذا العالم ؛ لقوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] فلمّا قرّر أنّ كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد ، وكون الإله واحد ، يقتضي حصول الانتظام ، وحسن الترتيب - قال هاهنا :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
. وأما تقرير كون كثرة الآلهة ، توجب الخلل والفساد « 3 » في العالم : أنّه لو كان اثنان أو ثلاثة ، لم نعلم من الذي خلقنا ، ورزقنا ، ودفع الآفات عنّا ؛ فيقع الشّرك في أنّا نعبد هذا أم ذاك . ومعنى : كونهم متفرقين ، أي : شتّى ، هذا من ذهب ، وهذا من فضة ، وهذا من حديد ، وهذا أعلى ، وهذا أوسط ، وهذا أدنى ، متباينون لا تضر ولا تنفع .
خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
، « الواحد » : لا ثاني له ، « القهّار » : الغالب على الكلّ .
هامش
( 1 ) سقط من : ب . ( 2 ) في ب : العقول . ( 3 ) سقط من : ب .