تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ثمّ عجز الأصنام ، فقال :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً
أي : من دون اللّه ، وإنما ذكر بلفظ الجمع ، وقد ابتدأ الخطاب لاثنين ؛ لأنه أراد جميع أهل السّجن ، وكلّ من هو على مثل حالهما من الشرك . فإن قيل : لم سمّاها أربابا ، وليست كذلك ؟ . فالجواب : لاعتقادهم فيها أنّها كذلك ، وأيضا : الكلام خرج على سبيل الفرض ، والتقدير ، والمعنى : أنّها إن كانت أربابا ، فهي خير أم اللّه الواحد القهار ؟ . فإن قيل : كيف يجوز التفاضل بين الأصنام ، وبين اللّه - تعالى - حتّى قيل : إنها خير أم اللّه ؟ . فالجواب : أنّه خرج على سبيل الفرض ، والمعنى : لو سلمنا أنّه حصل فيها ما يوجب الخير ، فهي خير أم اللّه الواحد القهار ؟ . قوله تعالى
إِلَّا أَسْماءً
، إما أن يراد بها المسميات ، أو على حذف مضاف ، أي : ذوات المسمّيات ، و « سمّيتموها » : صفة ، وهي متعدية لاثنين حذف ثانيهما ، أي : سمّيتموها آلهة . و « ما أنزل » : صفة ل « أسماء » ، و « من » : زائدة في : « من سلطان » ، أي : حجّة . و « إن الحكم » : « إن » نافية ، ولا يجوز الاتباع بضمّة الحاء ؛ كقوله :
وَقالَتِ اخْرُجْ
[ يوسف : 31 ] ، ونحوه ؛ لأنّ الألف واللام كلمة مستقلة ، فهي فاصلة بينهما .

فصل [ في معنى الآية : « أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ »

] قال في الآية :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
، وذلك يدلّ على وجود هذه المسميات ، ثم قال في عقبه :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها
، وهذا يدلّ على أنّ المسمى غير حاصل ، وبينهما تناقض . والجواب : أنّ الذوات موجودة حاصلة إلّا أنّ المسمى بالإله غير حاصل ؛ وبيانه من وجهين : الأول : أن ذوات الأصنام ، وإن كانت موجودة ، إلّا أنّها غير موصوفة بصفات الإلهية ، وإذا كان كذلك ، كان الشيء الذي هو مسمّى بالإلهيّة في الحقيقة غير موجود ، ولا حاصل . الثاني : روي أنّ عبدة الأصنام مشبهة ، فاعتقدوا أنّ الإله هو النور الأعظم ، وأن الملائكة أنوار صغيرة ؛ فوضعوا على صورة تلك الأنوار هذه الأرباب ، ومعبودهم في الحقيقة هو تلك الأنوار ، ثمّ إنّ جماعة ممن يعبدون الأصنام ، قالوا : نحن لا نقول إنّ هذه الأصنام آلهة للعالم ، بمعنى أنّها هي التي خلقت العالم ، إلّا أنّا نسميها آلهة نعبدها ؛ لاعتقادنا أنّ اللّه أمرنا بذلك .