تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
كالممتنع ، وهذا يدلّ على أنّ إجماع هذه الأمة على الباطل ، لا يحصل ؛ فكذلك في سائر الأمم ، وعبّر عن أخذ الأموال ب « الأكل » ؛ إمّا لأنّ المقصود الأعظم من جمع الأموال الأكل ، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده ، وإمّا لأنّ من أكل شيئا ، فقد ضمّه إلى نفسه ، ومنع غيره من الوصول إليه ؛ وإمّا لأنّ من أخذ أموال الناس ، إذا طولب بردّها ، قال : أكلتها ، فلهذه الوجوه سمى الأخذ بالأكل . واختلفوا في تفسير هذا « الباطل » . فقيل : كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام ، والمسامحة في الشرائع ، وقيل : كانوا يدّعون عند العوام منهم ، أنّه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة اللّه تعالى إلّا بخدمتهم وطاعتهم ، وبذل الأموال في مرضاتهم ، والعوام كانوا يغترّون بتلك الأكاذيب ، وقيل : كانوا يغيّرون الآيات الدّالة على مبعث محمد - عليه الصلاة والسّلام - ، وعلى صدقه ، ويذكرون في تأويلها وجوها فاسدة ، ويطيّبون قلوب عوامهم بهذا السّبب ، ويأخذون الرشوة عليها ، وقيل : كانوا يحرّفون كتاب اللّه ، ويكتبون كتبا ويقولون هذه من عند اللّه ، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم . قوله
« وَيَصُدُّونَ »
يحتمل أن يكون متعديا ، أي : يصدّون النّاس ، وأن يكون قاصرا ، كذا قال أبو حيان « 1 » ، وفيه نظر ؛ لأنّه متعدّ فقط ، وإنّما يحذف مفعوله ، ويراد ، أو لا يراد ، كقوله
كُلُوا وَاشْرَبُوا
[ البقرة : 60 ] . قوله
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
الجمهور على قراءته بالواو ، وفيها تأويلان : أحدهما : أنّها استئنافية ، و « الذين » مبتدأ ضمّن معنى الشرط ، ولذلك دخلت الفاء في خبره . الثاني : أنّه من أوصاف الكثير من الأحبار والرّهبان ، وهو قول عثمان ومعاوية . قال زيد بن وهب : مررت بأبي ذر بالربذة ، فقلت : يا أبا ذرّ ما أنزلك هذه البلاد ؟ فقال : كنت بالشام ، فقرأت :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
فقال معاوية : هذه الآية في أهل الكتاب ، فقلت : إنها فيهم وفينا ، فصار ذلك سببا للوحشة بين وبينه ، فكتب إليّ عثمان أن أقبل إليّ ، فلمّا قدمت المدينة انحرف النّاس عنّي ؛ كأنهم لم يروني من قبل ، فشكوت ذلك إلى عثمان ، فقال لي : تنح قريبا ، فقلت : واللّه إنّي لم أدع ما كنت أقول « 2 » . ويجوز أن يكون « الّذين » منصوبا بفعل مقدر ، يفسّره « فبشّرهم » وهو أرجح ، لمكان الأمر . وقرأ طلحة « 3 » بن مصرف « الّذين » بغير واو ، وهي تحتمل الوجهين المتقدمين ، ولكنّ
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 38 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 361 ) وذكره الرازي في « تفسيره » ( 16 / 35 ) . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 27 ، البحر المحيط 5 / 38 ، الدر المصون 3 / 460 .