تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
صلّى اللّه عليه وسلّم قط ، قال : رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب ، والعباس آخذ بلجام دابته البيضاء وهو يقول : « أنا النّبيّ لا كذب ، أنا ابن عبد المطّلب » « 1 » وطفق يركض بغلته نحو الكفار ، ثم قال للعبّاس : ناد المهاجرين والأنصار - وكان العباس رجلا صيّتا - فجعل ينادي : يا عباد اللّه ، يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقا واحدا ، وأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده كفا من الحصى ، فرماهم بها ، وقال : « شاهت الوجوه » فما زال أمرهم مدبرا ، وحدهم كليلا حتى هزمهم اللّه ، ولم يبق منهم أحد يومئذ إلّا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب ، فذلك قوله :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
والمراد بالسّكينة : ما يسكن إليه القلب ، ويوجب الأمنة ، ووجه الاستعارة فيه : أنّ الإنسان إذا خاف فرّ وفؤاده متحرك ، وإذا أمن ؛ سكن وثبت ؛ فلمّا كان الأمن موجبا للسكون جعل لفظ السّكينة كناية عن الأمن . ثم قال تعالى :
وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها
والمراد : أنزل الملائكة ، وليس في هذه الآية ما يدلّ على عدّة الملائكة ، كما هو في قصة بدر ، فقال سعيد بن جبير : « أيّد اللّه نبيه بخمسة آلاف من الملائكة » . ولعله إنّما قاسه على يوم بدر « 2 » . وقال سعيد بن المسيب : حدّثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال : لمّا كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم ، فلمّا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء ، تلقانا رجال بيض الوجوه ، فقالوا : شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا ، واختلفوا في أنّ الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم « 3 » ؟ فالذي روي عن سعيد بن المسيب يدلّ على أنهم قاتلوا ، وقال آخرون : إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر ، وفائدة نزولهم في هذا اليوم : هو إبقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين . ثم قال تعالى :
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا
والمراد من هذا التّعذيب : قتلهم وأسرهم ، وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم . وهذه الآية تدلّ على أنّ فعل العبد خلق للّه تعالى ؛ لأنّ المراد من هذا التّعذيب ليس إلا الأخذ والأسر ، وقد نسب تلك الأشياء إلى نفسه . قوله :
وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
تمسّك الحنفيّة في مسألة الجلد مع التعزير بقوله
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا
[ النور : 2 ] قالوا : الفاء تدلّ على كون الجلد جزاء ، والجزاء اسم للكافي ، وكون الجلد كافيا يمنع كون غيره مشروعا معه ، وأجيبوا بأن الجزاء ليس اسما للكافي ؛ لأنه
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 6 / 105 ) كتاب الجهاد : باب من قاد دابة غيره في الحرب ( 2864 ) ومسلم 31 / 1400 كتاب الجهاد : باب غزوة حنين حديث ( 1776 ) عن البراء بن عازب . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 343 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 343 - 344 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 407 ) وعزاه إلى مسدد في مسنده والبيهقي وابن عساكر .