تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
تعالى سمّى هذا التعذيب جزاء مع أنّ المسلمين أجمعوا على أنّ العقوبة الدائمة في القيامة مدّخرة لهم ، فدلت هذه الآية على أنّ الجزاء ليس اسما لما يقع به الكفاية . قوله
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ
أي : أنّ اللّه تعالى مع كل ما جرى عليهم من الخذلان يتوب عليهم ، بأن يزيل عن قلبهم الكفر ، ويخلق فيه الإسلام ، وقال القاضي : « معناه : أنّه بعد ما جرى عليهم ما جرى ، إذا أسلموا وتابوا فإنّ اللّه يقبل توبتهم » وهذا ضعيف ؛ لأنّ قوله :
« ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ »
ظاهره يدلّ على أنّ تلك التوبة إنّما تحصل لهم من قبله تعالى ، وتقدّم الكلام على المعنى في البقرة عند قوله
فَتابَ عَلَيْهِ
[ البقرة : 37 ] ثم قال :
وَاللَّهُ غَفُورٌ
أي : لمن تاب « رحيم » لمن آمن وعمل صالحا . قوله تعالى :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 28 إلى 29 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 28 ) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) قوله تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
الآية . اعلم أنه عليه الصّلاة والسّلام ، لمّا أمر عليّا أن يقرأ على مشركي مكّة أول سورة براءة ، وينبذ إليهم عهدهم ، وأنّ اللّه بريء من المشركين ورسوله ، قال أناس : يا أهل مكّة ستعلمون ما تلقونه من الشّدّة لانقطاع السبل وفقد الحمولات ؛ فنزلت هذه الآية ، لرفع الشّبهة ، وأجاب اللّه تعالى عنها بقوله :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
أي : فقرأ وحاجة ،
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
قال الأكثرون : لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان ، وقال قوم : يتناول جميع الكفّار ، وقد تقدم ذلك . قال الضحاك وأبو عبيدة : « نجس » قذر « 1 » . وقيل : خبيث ، وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى ، والتثنية والجمع . جعلوا نفس النّجس ، على المبالغة ، أو على حذف مضاف . وقرأ أبو حيوة « 2 » « نجس » بكسر النّون وسكون الجيم ، ووجهه أنّه اسم فاعل في الأصل على « فعل » مثل : « كتف وكبد » ثم خفّف بسكون عينه بعد اتباع فائه ، ولا بدّ من حذف موصوف حينئذ قامت هذه الصفة مقامه ، أي : فريق نجس ، أو جنس نجس ، فإذا أفرد قيل « نجس » بفتح النون . قال البغوي « ولا يقال على الانفراد ، بكسر النّون وسكون الجيم ، إنّما يقال :
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 281 ) . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 261 ، المحرر الوجيز 3 / 20 ، البحر المحيط 5 / 29 ، الدر المصون 3 / 458 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 60 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب