تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
حاضرة إلّا أنّ الجواب عنه تقدّم في قوله :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
[ البقرة : 2 ] . ولفظ « ذلك » إشارة إلى الواحد والجماعة ، كقوله :
لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
[ البقرة : 68 ] . ويحتمل أن يكون ذلك الذي ذكرناه هو كذا وكذا . قال الزمخشريّ : « ذلك » مبتدأ ، و
« نَقُصُّهُ عَلَيْكَ »
خبر بعد خبر : أي ذلك المذكور بعض أنباء القرى مقصوص عليك . وقال شهاب الدّين « 1 » : يجوز أن يكون « نقصّه » خبرا و
« مِنْ أَنْباءِ »
حال ، ويجوز العكس ، قيل : وثمّ مضاف محذوف ، أي من أنباء أهل القرى ، ولذلك أعاد الضمير عليهم في قوله :
« وَما ظَلَمْناهُمْ » .
ثم قال : ويجوز في « ذلك » أوجه : أحدها : أنّه مبتدأ كما تقدم [ هود : 49 ] . والثاني : أنّه منصوب بفعل مقدر يفسّره « نقصّه » فهو من باب الاشتغال ، أي : نقصّ ذلك في حال كونه من أنباء القرى ، وقد تقدّم في قوله :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
أوجه ، وهي عائدة هنا . قوله :
« مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ »
: « حصيد » مبتدأ محذوف الخبر ، لدلالة خبر الأوّل عليه ، أي : ومنها حصيد ، وهذا لضرورة المعنى . و « الحصيد » بمعنى المحصود ، وجمعه : حصدى وحصاد مثل : مريض ومرضى ومراض ، وهذا قول الأخفش ، ولكن باب « فعيل » ، و « فعلى » أن يكون في العقلاء ؛ نحو : قتيل وقتلى . والضمير في « منها » عائد إلى القرى ، شبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقة ، وما عفا منها وبطل بالحصيد . والمعنى : أنّ تلك القرى بعضها بقي منه شيء وبعضها هلك وما بقي منه أثر ألبتّة . قال بعض المفسرين : القائم : العامر ، والحصيد : الخراب . وقيل : القائم ما بقيت حيطانه ، وسقطت سقوفه ، وحصيد : انمحى أثره . وقال مقاتل : قائم يرى له أثر ، وحصيد لا يرى له أثر . ثم قال :
« وَما ظَلَمْناهُمْ »
بالعذاب والإهلاك :
« وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ »
بالكفر والمعصية وقيل : الذي نزل بالقوم ليس بظلم من اللّه ، بل هو عدل وحكمة ؛ لأنّ القوم أولا ظلموا أنفسهم بإقدامهم على الكفر والمعاصي ، فاستوجبوا بتلك الأعمال من اللّه العذاب . وقال ابن عباس : وما نقصناهم في الدنيا من النعم والرزق ، ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفّوا بحقوق اللّه تعالى « 2 » .
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 4 / 129 . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 18 / 46 ) .