تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
ومنه : قادمة الرّجل كما يقال : قدّمه بمعنى تقدّمه ، ومنه : مقدّمة الجيش . والمعنى : أنّ فرعون كان قدوة لقومه في الضّلال حال ما كانوا في الدنيا ، وكذلك مقدمهم إلى النّار ، وهم يتبعونه ويجوز أن يكون معنى قوله :
وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
: أي : وما أمره بصالح حميد العاقبة ، ويكون قوله :
« يَقْدُمُ قَوْمَهُ »
تبيينا لذلك وإيضاحا ، أي : كيف يكون أمره رشيدا مع أنّ عاقبته هكذا ؟ . قوله : « فأوردهم » يجوز أن تكون هذا المسألة من باب الإعمال ، وذلك أنّ « يقدم » يصلح أن يتسلّط على « النّار » بحرف الجر ، أي : يقدم قومه إلى النّار ، وكذا : « أوردهم » يصحّ تسلّطه عليها أيضا ، ويكون قد أعمل الثاني للحذف من الأوّل ، ولو أعمل الأوّل لتعدّى ب « إلى » ولأضمر في الثاني ، ولا محلّ ل « أورد » لاستئنافه ، وهو ماض لفظا مستقبل معنى ؛ لأنّه عطف على هو نص في الاستقبال . والهمزة في « أورد » للتعدية ؛ لأنّه قبلها يتعدّى لواحد ، قال تعالى :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[ القصص : 23 ] . وقيل : أوقع المستقبل بلفظ الماضي هنا لتحققه . وقيل : بل هو ماض على حقيقته ، وهذا قد وقع وانفصل وذلك أنّه أوردهم في الدّنيا النّار . قال تعالى :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
[ غافر : 46 ] . وقيل : أوردهم موجبها وأسبابها ، وفيه بعد لأجل العطف بالفاء . والورد : يكون مصدرا بمعنى الورود ، ويكون بمعنى الشيء المورد كالطّحن والرّعي . ويطلق أيضا على الوارد ، وعلى هذا إن جعلت الورد مصدرا أو بمعنى الوارد فلا بدّ من حذف مضاف تقديره : وبئس مكان الورد المورود ، وهو النّار ، وإنّما احتيج إلى هذا التقدير ؛ لأنّ تصادق فاعل « نعم » و « بئس » ومخصوصهما شرط ، لا يقال : نعم الرّجل الفرس . وقيل : بل المورود صفة للورد ، والمخصوص بالذّمّ محذوف تقديره : بئس الورد المورود النّار ، جوّز ذلك أبو البقاء « 1 » ، وابن عطيّة « 2 » ، وهو ظاهر كلام الزمخشري « 3 » . وقيل : التقدير : بئس القوم المورود بهم هم ، فعلى هذا « الورد » المراد به الجمع الواردون ، قال تعالى :
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
[ مريم : 86 ] والمورود صفة لهم ، والمخصوص بالذّمّ الضمير المحذوف وهو « هم » ، فيكون ذلك للواردين لا لموضع الورد كذا قاله أبو حيّان وفيه نظر من حيث إنّه : كيف يراد بالورد الجمع الواردون ، ثم يقول : والمورود صفة لهم ؟ . وفي وصف مخصوص « نعم » و « بئس » خلاف بين النّحويين منعه ابن السّراج وأبو علي .
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 2 / 45 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 205 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 426 .