المؤمنين ، قالوا : يا رسول اللّه كيف يمكن البراءة منهم بالكلّية ؟ وهذه الآية توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا ، وإن نحن فعلنا ذلك ، ذهبت تجارتنا ، وهلكت أموالنا ، وخربت ديارنا ، فأنزل اللّه تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها
أي : تستوطنونها راضين بسكناها
أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا
فانتظروا
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ .
قال عطاء : « بقضائه » « 1 » .
وقال مجاهد ومقاتل : « بفتح مكّة » « 2 » .
وهذا أمر تهديد ، فبيّن تعالى أنّه يجب تحمل جميع هذه المضارّ في الدّنيا ، ليبقى الدّين سليما . ثم قال
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
أي : الخارجين عن الطاعة ، وهذه الآية تدلّ على أنّه إذا وقع التّعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدّين ، وبين مهمات الدّنيا ؛ وجب ترجيح الدّين على الدنيا .
قوله تعالى :
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 25 إلى 27 ]
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 27 )
قوله تعالى :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ
الآية .
لمّا ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء ، والإخوان ، والعشيرة ، وعن الأموال ، والتجارات ، والمساكن ، رعاية لمصالح الدّين ، وعلم أنّ ذلك يشقّ على النفوس ، ذكر ما يدلّ على أنّ من ترك الدّنيا لأجل الدّين ، فإنّه تعالى يوصله مطلوبه .
وضرب لهذا مثلا ، وذلك أنّ عسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في وقعة حنين ، كانوا في غاية الكثرة والقوّة ، فلمّا أعجبوا بكثرتهم ، صاروا منهزمين ، فلمّا تضرّعوا في حال الانهزام إلى اللّه تعالى قوّاهم حتّى هزموا عسكر الكفّار ، وذلك يدلّ على أنّ الإنسان متى اعتمد على الدّنيا ، فاته الدّين والدنيا ، ومتى أطاع اللّه ، ورجّح الدّين على الدّنيا ، آتاه اللّه الدّين
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 277 ) .
( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 403 ) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ .
وقد أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 339 ) .
وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 277 ) عن مجاهد ومقاتل .