تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
قال أبو حيّان « 1 » : وتسمية هذا جوابا ل « أرأيتم » ليس بالمصطلح ، بل هذه الجملة التي قدّرها في موضع المفعول الثّاني ل « أرأيتم » لأنّ « أرأيتم » إذا ضمّنت معنى أخبرني تعدّت إلى مفعولين ، والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية ينعقد منها ، ومن المفعول الأوّل في الأصل جملة ابتدائية كقول العرب : « أرأيتك زيدا ما صنع » وقال الحوفيّ : « وجواب الشّرط محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره : أأعدل عمّا أنا عليه » . وقال ابن عطيّة « 2 » : « وجواب الشّرط الذي في قوله :
« إِنْ كُنْتُ »
محذوف تقديره أضلّ كما ضللتم ، أو أترك تبليغ الرسالة ، ونحو هذا ممّا يليق بهذه المحاجّة » . قال أبو حيان : وليس قوله : « أضلّ » جوابا للشّرط ؛ لأنّه إن كان مثبتا فلا يمكن أن يكون جوابا لأنه لا يترتب على الشّرط ، وإن كان استفهاما حذف منه الهمزة فهو في موضع المفعول الثاني ل « أرأيتم » وجواب الشّرط محذوف يدلّ عليه الجملة السّابقة مع متعلّقها .

فصل [ في معنى قوله : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ . . .

] المعنى
« أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي »
بصيرة وبيان من ربّي
وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً
حلالا . قيل : كان شعيب كثير المال الحلال . وقيل : الرزق الحسن : العلم والمعرفة أي : لما أتاني جميع هذه السّعادات ، فهل ينبغي لي مع هذه النعم أن أخون في وحيه ، أو أن أخالف أمره ونهيه ، وإذا كان العزّ من اللّه ، والإذلال من اللّه ، وذلك الرزق إنّما حصل من عند اللّه فأنا لا أبالي بمخالفتكم ، ولا أفرح بموافقتكم ، وإنّما أكون على تقرير بدين اللّه وإيضاح شرائعه . قوله :
« وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ »
قال الزمخشريّ : خالفني فلان إلى كذا : إذا قصده وأنت مولّ عنه ، وخالفني عنه إذا ولّى عنه وأنت قاصده ، ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول : « خالفني إلى الماء » ، يريد أنه ذاهب إليه واردا ، وأنا ذاهب عنه صادرا ، ومنه قوله تعالى :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبدّ بها دونكم . وهذا الذي ذكره الزمخشريّ معنى حسن لطيف ، ولم يتعرّض لإعراب مفرداته ؛ لأن بفهم المعنى يفهم الإعراب . فيجوز أن يكون قوله :
« أَنْ أُخالِفَكُمْ »
في موضع مفعول ب « أريد » ، أي : وما أريد مخالفتكم ، ويكون « فاعل » بمعنى « فعل » نحو : جاوزت الشّيء وجزته ، أي : وما أريد أن أخالفكم ، أي : أكون خلفا منكم .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 254 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 201 .