تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
الثانية قال :
أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
والإيفاء : عبارة عن الإتيان به على الكمال والتّمام ، ولا يحصل ذلك إلّا إذا أعطى قدرا زائدا على الحق ، ولهذا المعنى قال الفقهاء : إنّه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلّا عند غسل كلّ جزء من أجزاء الرّأس . فالحاصل : أنه تعالى نهى في الآية الأولى عن النّقصان ، وفي الثانية أمر بإعطاء شيء من الزيادة ، فكأنّه تعالى نهى أولا عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصا ليحصل له تلك الزيادة ، وفي الثانية أمر بأن يسعى في تنقيص مال نفسه ليخرج ماله من غير العوض . وقوله : « بالقسط » يعني : بالعدل ، ومعناه الأمر بإيفاء الحقّ بحيث يحصل معه اليقين بالخروج عن العهدة ، فالأمر بإيتاء الزّيادة على ذلك غير حاصل . والبخس : هو النّقص . ثم قال :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ .
فإن قيل : العثوّ : الفساد التّامّ ، فقوله :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
جار مجرى قولك : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين . فالجواب من وجوه : الأول : أن من سعى في إيصال الضّرر إلى الغير ، فقد حمل ذلك الغير على السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
ولا تسعوا في إفساد مصالح الغير ، فإنّ ذلك في الحقيقة سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم . والثاني : أن يكون المراد من قوله :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
مصالح دنياكم وآخرتكم . والثالث :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
مصالح الأديان والشرائع . ثم قال :
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
العامّة على تشديد ياء « بقيّة » . وقرأ « 1 » إسماعيل بن جعفر - من أهل المدينة - بتخفيفها قال ابن عطيّة : « وهي لغة » . وهذا لا ينبغي أن يقال ، بل يقال : إن لم يقصد الدّلالة على المبالغة جيء بها مخففة وذلك أنّ « فعل » بكسر العين إذا كان لازما فقياس الصّفة منه : « فعل » بكسر العين نحو : سجيت المرأة فهي سجية فإن قصدت المبالغة قيل : سجيّة ، لأنّ فعيلا من أمثلة المبالغة فكذلك « بقيّة وبقية » أي : بالتّشديد والتّخفيف . قال المفسّرون
« بَقِيَّتُ اللَّهِ »
هي تقواه . قال ابن عباس : ما أبقى اللّه لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير ممّا تأخذونه بالتطفيف « 2 » . وقال مجاهد :
« بَقِيَّتُ اللَّهِ »
يعنى
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 199 ، والبحر المحيط 5 / 253 . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 398 ) .