تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
قراءة النّون فيهما ، وقسم يتعيّن فيه العطف على مفعول « تأمرك » ، وهي قراءة النّون في « نفعل » والتاء في « تشاء » ، وقسم يجوز فيه الأمران وهي قراءة التاء فيهما . والظّاهر من حيث المعنى في قراءة التّاء فيهما ، أو في « تشاء » أنّ المراد بقولهم ذلك هو إيفاء المكيال والميزان ؛ لأنه كان يأمرهم بهما . وقال الزمخشريّ : « المعنى : تأمرك بتكليف أن نترك ، فحذف المضاف لأنّ الإنسان لا يؤمر بفعل غيره » . واعلم أنّ قوله
أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا
إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد . وقوله :
أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا
إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس .

فصل [ في المراد بالصلاة بقوله : قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ . . .

] قيل : المراد بالصلاة هنا الدّين والإيمان ؛ لأنّ الصلاة أظهر شعائر الدين ؛ فجعلوا ذكر الصّلاة كناية عن الدّين . وقيل : أصل الصلاة الاتّباع ، ومنه أخذ المصلّي من خيل المسابقة ، وهو الذي يتلو السابق ؛ لأنّ رأسه يكون على صلوي السّابق ، وهما ناحيتا الفخذين ، والمعنى : دينك يأمرك بذلك . وقيل : المراد هذه الأفعال المخصوصة ، روي أنّ شعيبا كان كثير الصّلاة ، وكان قومه إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكون ، فقصدوا بقولهم : أصلاتك تأمرك السخرية والاستهزاء .
« إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ » .
قال ابن عباس : أرادوا السّفيه الغاوي ؛ لأنّ العرب قد تصف الشيء بضده فيقولون : للديغ سليم ، وللفلاة مفازة « 1 » . وقيل : قالوه على وجه الاستهزاء ، كما يقال للبخيل الخسيس « لو رآك حاتم ، لسجد لك » ، وقيل : الحليم ، الرشيد بزعمك . وقيل : على الصّحّة أي : إنّك يا شعيب فينا حليم رشيد لا يحصل بك شقّ عصا قومك ، ومخالفة دينهم ، وهذا كما قال قوم صالح :
قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا
[ هود : 62 ] . قوله :
أَ رَأَيْتُمْ
قد تقدّم مرارا [ يونس : 50 ] . وقال الزمخشريّ هنا : فإن قلت : أين جواب « أرأيتم » وما له لم يثبت كما ثبت في قصّة نوح ، وصالح ؟ قلت جوابه محذوف ، وإنّما لم يثبت ؛ لأنّ إثباته في القصتين دلّ على مكانه ، ومعنى الكلام ينادي عليه ، والمعنى : أخبروني إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربّي ونبيّا على الحقيقة ، أيصحّ أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكفّ عن المعاصي ، والأنبياء لا يبعثون إلّا لذلك ؟ .
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 398 ) .