تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
اليوم زمان يشتمل على الحوادث ، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذّب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه . وزعم قوم : أنه جرّ على الجوار ؛ لأنّه في المعنى صفة للعذاب ، والأصل : عذاب يوم محيطا وقال آخرون : التقدير : عذاب يوم محيط عذابه . قال أبو البقاء : وهو بعيد ؛ لأنّ محيطا قد جرى على غير من هو له ، فيجب إبراز فاعله مضافا إلى ضمير الموصوف . واختلفوا في المراد بهذا العذاب : فقيل : عذاب يوم القيامة . وقيل : عذاب الاستئصال في الدنيا ؛ كما هو في حق سائر الأمم . والأقرب دخول كل عذاب فيه ، وإحاطة العذاب بهم كإحاطة الدّائرة بما فيها . قوله :
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
أي : بالعدل . فإن قيل : وقع التّكرار ههنا من ثلاثة أوجه ، فقال :
وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
ثم قال
أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ،
وهو عين الأول ، ثم قال :
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ،
وهو عين الأوّل ، فما فائدة التّكرار ؟ . فالجواب من وجوه : الأول : أن القوم كانوا مصرّين على ذلك العمل ، فمنع منه بالمبالغة في التأكيد ، والتكرار يفيد التّأكيد وشدّة العناية والاهتمام . الثاني : قوله :
وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
نهي عن التنقيص ، وقوله :
أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
أمر بإيفاء العدل ، والنّهي عن الشيء أمر بضده ، وليس لقائل أن يقول النّهي ضد الأمر ، فكان التكرير لازما من هذا الوجه ، لأنّا نقول : الجواب من وجهين : أحدهما : أنّه تعالى جمع بين الأمر بالشّيء ، وبين النهي عن ضده للمبالغة ، كما تقول : صل قرابتك ، ولا تقطعهم ؛ فدلّ هذا الجمع على غاية التّأكيد . وثانيهما : لا نسلم أنّ الأمر كما ذكرتم ؛ لأنّه يجوز أن ينهى عن التنقيص وينهى أيضا عن أصل المعاملة ، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر بإيفاء الحقّ ، ليدلّ ذلك على أنّه تعالى لم يمنع من المعاملات ، ولم ينه عن المبايعات ، وإنّما منع من التّطفيف ، ومنع الحقوق ، فكانت المبايعات محرمة بالكلّيّة ، فلأجل هذا منع في الآية الأولى من التّنقيص ، وفي الأخرى أمر بالإيفاء ، وأما قوله ثالثا :
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
فليس بتكرير لأنّه تعالى خصّ المنع في الآية الأولى بالنّقصان في المكيال والميزان . ثم إنّه تعالى عمّ الحكم في جميع الأشياء ، فدل ذلك على أنها غير مكررة ، بل في كل واحدة فائدة زائدة . الوجه الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى :
وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
وفي