تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
إشكال ، لأنّ هذه السّورة مكية ، وبعض السّور المتقدمة مدنية ، فكيف يمكن أن يكون المراد هذه العشر عند نزول هذا الكلام ؟ فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور . فإن قيل : قد قال في سورة يونس
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
[ يونس : 38 ] وقد عجزوا عنه . فكيف قال
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ
فهو كرجل يقول لآخر : أعطني درهما ؛ فيعجز ، فيقول : أعطني عشرة ؟ . فالجواب : قد قيل : نزلت سورة هود أولا ، وأنكر المبرد هذا وقال : بل سورة يونس أولا ، وقال : ومعنى قوله في سورة يونس :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
أي : مثله في الإخبار عن الغيب ، والأحكام ، والوعد والوعيد ، فعجزوا ، فقال لهم في سورة هود : إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الإخبار ، والأحكام ، والوعد ، والوعيد
( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ )
من غير وعد ووعيد ، وإنما هي مجرد بلاغة .

فصل [ في اختلاف العلماء في الوجه الذي كان القرآن لأجله معجزا ]

اختلفوا في الوجه الذي كان القرآن لأجله معجزا ، فقيل : هو الفصاحة وقيل : الأسلوب ، وقيل : عدم التناقض ، وقيل : اشتماله على الإخبار عن الغيوب ، والمختار عند الأكثرين أن القرآن معجز من جهة الفصاحة ، واستدلّوا بهذه الآية ، لأنّه لو كان إعجازه هو كثرة العلوم ، أو الإخبار عن الغيوب ، أو عدم التناقض لم يكن لقوله : « مفتريات » معنى ، أمّا إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صحّ ذلك ؛ لأنّ فصاحة الفصيح تظهر بالكلام ، سواء كان الكلام صدقا أو كذبا ، ثم إنه لمّا قرر وجه التحدّي قال :
« وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ »
واستعينوا بمن استطعتم
« مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
فإن لم
يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ »
يا أصحاب محمد ، وقيل : لفظه جمع والمراد به الرسول - صلوات اللّه البر الرحيم وسلامه عليه وحده - والمراد بقوله : « فإن لم
يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ »
أي : الكفار ، يحتمل أنّ من يدعونه من دون اللّه لم يستجيبوا . قوله :
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ
« ما » يجوز أن تكون كافة مهيئة . وفي « أنزل » ضمير يعود على
ما يُوحى إِلَيْكَ
[ هود : 12 ] ، و « بعلم » حال أي : ملتبسا بعلمه ، ويجوز أن تكون موصولة اسمية أو حرفية اسما ل « أنّ » والخبر الجارّ تقديره : فاعلموا أن تنزيله ، أو أن الذي أنزل ملتبس بعلم « 1 » . وقرأ زيد بن علي « نزّل » بفتح النون والزاي المشددة ، وفاعل « نزّل » ضمير اللّه تعالى ، و
وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
نسق على « أنّ » قبلها ، ولكن هذه مخففة فاسمها محذوف ، وجملة النّفي خبرها .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 209 ، والدر المصون 4 / 84 .