تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
وقال أبو البقاء « 1 » : لأن يقولوا أي : لأن قالوا ، فهو بمعنى الماضي وهذا لا حاجة إليه ، وكيف يدّعى ذلك فيه ومعه ما هو نصّ في الاستقبال وهو الناصب ؟ . و « لولا » تحضيضية ، وجملة التّحضيض منصوبة بالقول . فصل المعنى : فلعلّك يا محمد تارك بعض ما يوحى إليك ، فلا تبلغة إيّاهم ، وذلك أن كفار مكة قالوا : ائت بقرآن غير هذا ، ليس فيه سب آلهتنا ، فهمّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم - أن يدع آلهتهم ظاهرا ؛ فأنزل اللّه تعالى :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ
يعنى سب الآلهة :
« وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ »
أي : ولعلّ يضيق صدرك
أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ
يصدّقه ، قاله عبد اللّه بن أميّة المخزومي . وروي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنّ رؤساء مكّة قالوا : يا محمد : اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا ، وقال آخرون : ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك ، فقال : لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية « 2 » . وأجمع المسلمون على أنّه لا يجوز على الرسول - عليه الصلاة والسّلام - أن يخون في الوحي والتبليغ ، وأن يترك بعض ما يوحى إليه ؛ لأنّ تجويزه يؤدّي إلى الشّك في كل الشرائع وذلك يقدح في النبوة ، وأيضا فالمقصود من الرّسالة تبليغ التكاليف ، والأحكام ، فإذا لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها . وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المراد من قوله :
« فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ »
شيئا آخر سوى أنه فعل ذلك . وذكروا فيها وجوها أخر ، قيل : إنّهم كانوا لا يقبلون القرآن ويتهاونون به ، فكان يضيق صدر الرسول - عليه الصلاة والسّلام - أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه ، فأهله اللّه لأداء الرّسالة ، وطرح المبالاة بكلماتهم الفاجرة ، وترك الالتفات إلى استهزائهم ، والغرض منه التنبيه على أنه إذا أدّى ذلك الوحي وقع في سفاهتهم ، وإن لم يؤد ذلك وقع في ترك وحي اللّه - تعالى - وفي إيقاع الخيانة ، وأنه لا بد من تحمل أحد الضّررين ؛ فتحمل ضرر سفاهتهم أسهل من تحمل الخيانة في وحي اللّه ، والغرض من ذكر هذا الكلام : التنبيه على هذه الدقيقة ؛ لأنّ الإنسان إذا علم أنّ كلّ واحد من طرفي الفعل والترك مشتمل على ضرر عظيم ، على أنّ الضرر في جانب الترك أعظم وأقوى سهل عليه ذلك الفعل وخف . فإن قيل : الكنز كيف ينزل ؟ . فالجواب : أنّ المراد ما يكنز ، وجرت العادة على أنّ المال الكثير يسمّى كنزا ، فقال القوم : إن كنت صادقا في أنّك رسول اللّه الذي تصفه بالقدرة على كلّ شيء وأنك عزيز
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 2 / 35 . ( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 17 / 154 ) .