تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
والمعنى : إذا أذقناه نعمة بعد بلاء أصابه :
« لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي »
زالت الشّدائد عنّي ، إنّه لفرح فخور أشر بطر ، والفرح : لذّة في القلب بنيل المشتهى . والفخر : هو التطاول على الناس بتعديد المناقب ، وذلك منهيّ عنه .

فصل [ في أن أحوال الدنيا أبدا في التغير والزوال ]

اعلم أنّ أحوال الدنيا أبدا في التّغير والزّوال ، والتحوّل والانتقال ، فإمّا أن يتحوّل الإنسان من النّعمة إلى المحنة أو العكس . فأمّا الأول : فهو المراد بقوله عز وجل :
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ
[ هود : 9 ] أي أنه حال زوال تلك النعمة يصير يئوسا ؛ لأنّ الكافر يعتقد أنّ السبب في حصول تلك النّعمة سبب اتفاقي ، ثمّ إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى ، فلا جرم يستبعد تلك النعمة فيقع في اليأس . وأمّا المسلم ، فيعتقد أنّ تلك النّعمة إنّما حصلت من فضل اللّه وإحسانه ، فلا ييأس ، بل يقول لعلّه يؤخّرها إلى ما هو أحسن ، وأكمل ممّا كانت ، وأمّا أنّ الإنسان يكون كفورا حال تلك النعمة ، فإنّ الكافر لمّا اعتقد أنّ حصولها كان على سبيل الاتفاق ، أو أنّه حصلها بجدّه واجتهاده ، فحينئذ لا يشتغل بشكر اللّه على تلك النّعمة والمسلم يشكر اللّه تعالى . والحاصل أنّ الكافر يكون عند زوال النّعمة يئوسا وعند حصولها كفورا . وأمّا انتقال الإنسان من المحنة إلى النّعمة ، فالكافر يكون فرحا فخورا ؛ لأنّ منتهى طبع الكافر هو الفوز بهذه السّعادات الدّنيوية ، وهو منكر للسعادات الأخرويّة . قوله : « لفرح » قرأ الجمهور بكسر الرّاء ، وهو قياس اسم الفاعل من « فعل » اللّازم بكسر العين نحو : أشر فهو أشر ، وبطر فهو بطر ، وقرىء « 1 » شاذا « لفرح » بضمّ الرّاء نحو : يقظ ويقظ ، وندس وندس . قوله :
« إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا »
فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه منصوب على الاستثناء المتّصل ، إذ المراد به جنس الإنسان لا واحد بعينه . والثاني : أنّه منقطع ، إذ المراد بالإنسان شخص معين ، وهو على هذين الوجهين منصوب المحلّ . والثالث : أنه مبتدأ ، والخبر الجملة من قوله :
« أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ »
وهو منقطع أيضا . والمعنى : أنّ هؤلاء لا يكونون عند البلاء من الصّابرين وعند الرّاحة والخير من الشّاكرين . قال الفراء : هو استثناء منقطع معناه : لكن الذين صبروا وعملوا الصّالحات ؛ فإنّهم إن يأتهم شدة صبروا ، وإن نالوا نعمة شكروا .
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 154 ، البحر المحيط 5 / 27 ، الدر المصون 4 / 82 .