تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ
أي : ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه ، أوجب على المسلمين منعهم من ذلك ؛ لأنّ المساجد تعمر لعبادة اللّه وحده « 1 » . واعلم أنّ عمارة المسجد قسمان : إمّا بلزومها وكثرة إتيانها ، يقال : فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه ، وإمّا بالعمارة المعروفة بالبناء ، فإن كان المراد هو الثاني كان المعنى أنّه ليس للكافر أن يقدم على مرمّة المسجد ، لأنّ المسجد موضع العبادة ، فيجب أن يعظم ، والكافر يهينه ، وأيضا فالكافر نجس في الحكم ، لقوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
[ التوبة : 28 ] ، وتطهير المسجد واجب ، لقوله تعالى :
أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ
[ البقرة : 125 ] ، وأيضا فالكافر لا يحترز من النّجاسة ، فدخوله المسجد تلويث للمسجد ، وقد يؤدّي إلى فساد عبادة المصلين . وأيضا إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الإنعام على المصلين ، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنّة على المسلمين ، وقد ذهب جماعة منهم الواحديّ ؛ إلى أنّ المراد منه : العمارة المعروفة من بناء المسجد ، ومرمته عند الخراب ، فيمنع منه الكافر ، حتى ولو أوصى بها لم تقبل ، ويمنع من دخول المساجد ، وإن دخل بغير إذن استحق التعزير ، وإن دخل بإذن لم يعزر ، والأولى تعظيم المساجد ، ومنعهم منها ، وقد أنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفد ثقيف في المسجد وهم كفّار ، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد ، وهو كافر ، وحمل بعضهم العمارة على المسجد على الوجه الأول .
« أَنْ يَعْمُرُوا »
اسم « كان » . قرأ ابن « 2 » السميفع « يعمروا » بضم الياء وكسر الميم ، من : « أعمر » رباعيا ، والمعنى : أن يعينوا على عمارته . وقرأ « 3 » ابن كثير ، وأبو عمرو « مسجد الله » بالإفراد ، وهي تحتمل وجهين ، أن يراد به مسجد بعينه ، وهو المسجد الحرام ، لقوله
وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ التوبة : 19 ] ، وأن يكون اسم جنس ، فيندرج فيه سائر المساجد ، ويدخل المسجد الحرام دخولا أوليّا وقرأ « 4 » الباقون : « مساجد » بالجمع ، وهي أيضا محتملة للأمرين ، ووجه الجمع إمّا لأنّ كلّ بقعة من المسجد الحرام يقال لها : مسجد ، وإمّا لأنه قبلة سائر المساجد ، فصحّ أن يطلق عليه لفظ الجمع لذلك . [ قال الفرّاء : ربما ذهب العرب بالواحد إلى الجمع ، وبالجمع إلى الواحد ألا ترى إلى الرجل يركب البرذون ؛ فيقول : أخذت في ركوب البراذين ، وفلان يجالس الملوك ، وهو لا يجلس إلا مع ملك واحد ، ويقال : فلان كثير الدرهم والدينار يريد : الدراهم والدنانير ] « 5 » .
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 273 ) والرازي في « التفسير الكبير » ( 16 / 7 ) عن ابن عباس . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 20 ، الدر المصون 3 / 453 . ( 3 ) ينظر : السبعة ص ( 313 ) ، الحجة 4 / 178 - 180 ، حجة القراءات ص ( 316 ) ، إعراب القراءات 1 / 236 ، النشر 2 / 287 ، إتحاف 2 / 88 . ( 4 ) انظر السابق . ( 5 ) سقط في ب .