تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وقرأ زيد « 1 » بن علي كذلك ، إلّا أنّه رفع الفعل مستأنفا ، ولم ينسقه على المجزوم قبله ، كما قرءوا « ويتوب » بالرفع عند الجمهور . قوله :
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ
قرأ الجمهور بالرّفع ، وقرأ زيد بن علي ، والأعرج ، وابن أبي إسحاق ، وعمرو بن عبيد « 2 » ، وعمرو بن فائد ، وعيسى الثقفي ، وأبو عمرو في رواية ويعقوب « ويتوب » بالنّصب ، فأمّا قراءة الجمهور فإنّها استئناف إخبار ، وكذلك وقع ، فإنه قد أسلم ناس كثيرون ، كأبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو وغيرهم . قال الزجاج ، وأبو الفتح : وهذا أمر موجود ، سواء قوتلوا ، أم لم يقاتلوا ، ولا وجه لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في : « قاتلوهم » . يعنيان بالشّرط : ما فهم من الجملة الأمرية . قالوا : ونظيره :
فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ
[ الشورى : 24 ] وتمّ الكلام ههنا ، ثم استأنف فقال :
وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ .
وأمّا قراءة زيد ومن ذكر معه فإنّ التوبة تكون داخلة في جواب الأمر من طريق المعنى ، وفي توجيه ذلك غموض ، فقال بعضهم : إنّه لمّا أمرهم بالمقاتلة شقّ ذلك على بعضهم ، فإذا أقدموا على المقاتلة صار ذلك العمل جاريا مجرى التوبة من تلك الكراهة ، قاله الأصمّ . فيصير المعنى : إن تقاتلوهم يعذّبهم اللّه ، ويتب عليكم من تلك الكراهة لقتالهم ، وقال آخرون - في توجيه ذلك - : إنّ حصول الظّفر وكثرة الأموال لذّة تطلب بطريق حرام ، فلمّا حصلت لهم بطريق حلال ، كان ذلك داعيا لهم إلى التّوبة ممّا تقدم ، فصارت التوبّة معلقة على المقاتلة . وقال ابن عطية « 3 » - في توجيه ذلك - : « يتوجه عندي إذا ذهب إلى أنّ التوبة يراد بها هنا قتل الكافرين والجهاد في سبيل اللّه ، هو توبة لكم أيها المؤمنون ، وكمال لإيمانكم ، فتدخل التسوية على هذا في شرط القتال » . قال أبو حيان « 4 » « وهذا الذي قرروه من كون التّوبة تدخل تحت جواب الأمر بالنسبة للمؤمنين الذين أمروا بقتال الكفّار ، والذي يظهر أنّ ذلك بالنسبة إلى الكفّار ، والمعنى : على من يشاء من الكفار ، لأنّ قتال الكفار ، وغلبة المسلمين إياهم قد يكون سببا لإسلام كثير ، ألا ترى إلى فتح مكّة ، كيف أسلم لأجله ناس كثيرون ، وحسن إسلام بعضهم جدّا ، ك : ابن أبي سرح ، ومن تقدم ذكره ، وغيرهم » فيصير المعنى : إن تقاتلوهم يتب اللّه على من يشاء من الكفّار ، أي : يسلم من يشاء منهم ، والمراد بالتّوبة هنا : الهداية إلى الإسلام كما ذكره جمهور المفسرين ، ثمّ قال
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
عليم بكل ما يفعل في
هامش
( 1 ) انظر السابق . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 252 - 253 ، المحرر الوجيز 3 / 14 ، البحر المحيط 5 / 19 ، الدر المصون 3 / 452 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 14 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 19 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 40 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب