تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
المؤمنين ، إلّا أنّ المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر ، فلمّا قال :
« وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ »
دلّ على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر . ورابعها : قوله
« وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ » .
قرأ الجمهور بياء الغيبة ، ردّا على اسم اللّه تعالى ، وقرأ زيد بن « 1 » علي « نشف » بالنّون ، وهو التفات حسن ، وقال :
« قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ »
شهادة للمخاطبين بالإيمان ، فهو من باب الالتفات ، وإقامة الظّاهر مقام المضمر ، حيث لم يقل « صدوركم » . والمعنى : ويبرئ داء قلوب قوم مؤمنين ممّا كانوا ينالونه من الأذى منهم . ومعلوم أنّ من طال تأذّيه من خصمه ، ثم مكّنه اللّه منه على أحسن الوجوه ، فإنّه يعظم سروره به ، ويصير ذلك سببا لقوة النفس ، وثبات العزيمة . وقال مجاهد والسديّ « أراد صدور خزاعة حلفاء رسول اللّه ، حيث أعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكّلوا بهم ، فشفى اللّه صدورهم من بني بكر بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم » « 2 » . وخامسها : قوله :
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
كربها ووجدها بمعونة قريش بني بكر عليهم . فإن قيل : قوله
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
معناه : أنّه يشفي من ألم الغيظ ، وهذا هو عين إذهاب الغيظ ، فكان قوله :
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
تكرارا . فالجواب : أنّه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح ، فكانوا في زحمة الانتظار ، كما قيل : الانتظار الموت الأحمر ، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار ، فظهر الفرق بين قوله :
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
وبين قوله :
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
فهذه المنافع الخمسة ترجع إلى تسكين الدّواعي الناشئة من القوّة الغضبيّة ، وهي التّشفي ، ودرك الثّأر وإزالة الغيظ ، ولم يذكر فيها وجدان المال ، والفوز بالمطاعم والمشارب ؛ لأنّ العرب جبلوا على الحميّة والأنفة ، فرغبهم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم . وقرأ الجمهور : « ويذهب » بضمّ الياء وكسر الهاء من : « أذهب » ، و « غيظ » مفعول به وقرىء « 3 » « ويذهب » بفتح الياء والهاء ، جعله مضارعا ل « ذهب » ، و « غيظ » فاعل به
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 451 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 332 ) عن السدي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 389 ) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد . وذكره أيضا ( 3 / 389 ) عن قتادة وعزاه إلى أبي الشيخ . وأخرجه الطبري ( 6 / 332 ) عن مجاهد مثله وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 389 ) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 273 ) عن مجاهد والسدي . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 14 ، البحر المحيط 5 / 19 ، الدر المصون 3 / 452 .