تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
فصل هذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه : الأول : أنّ تقرير الموجبات القويّة ، وتفصيلها ممّا يقوّي هذه الداعية . الثاني : أنّك إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك ؛ فكأنك تحرضه على القتال ، أي : لا تخف منه . والثالث : قوله
فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ
أي : إن كنت تخشى أحدا فاللّه أحقّ أن تخشاه ، لكونه في غاية القدرة ، فالضّرر المتوقع منهم غايته القتل ، وأمّا المتوقع من اللّه فالعقاب الشديد في القيامة ، والذم اللازم في الدّنيا . والرابع : قوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أي : إن كنتم موقنين بالإيمان ، وجب عليكم القتال ، أي : إنكم إن لم تقدموا على القتال ، وجب أن لا تكونوا مؤمنين . فصل حكى الواحديّ عن أهل المعاني أنهم قالوا : « إذا قلت : ألا تفعل كذا ، فإنّما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده ، وإذا قلت : ألست تفعل ، فإنّما تقول ذلك في فعل تحقّق وجوده ، والفرق بينهما أنّ « لا » ينفى بها المستقبل ، فإذا أدخلت عليها الألف كان تحضيضا على فعل ما يستقبل ، و « ليس » إنما تستعمل لنفي الحال ، فإذا أدخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال » .

فصل [ في ما نقل عن ابن عباس في قوله : أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً

] نقل عن ابن عباس أنه قال قوله :
أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً
ترغيب في فتح مكّة « 1 » وقوله :
قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ
أي : عهدهم ، يعني قريشا حين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة ، كما تقدم . وقال الحسن « لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك ؛ لأنّ سورة براءة نزلت بعد فتح مكّة » « 2 » .

فصل [ في دلالة الآية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ

على كراهيتهم القتال ] قال الأصم « دلّت الآية على أنّهم كرهوا هذا القتال ، لقوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
[ البقرة : 116 ] فأمنهم اللّه تعالى بهذه الآيات » . قال القاضي « إنه تعالى قد يحث على فعل الواجب من لا يكون كارها له ، ولا مقصرا فيه ، فإن أراد أن مثل هذا التحريض على الجهاد لا يقع إلّا وهناك كره للقتال ، لا يصح أيضا ، لأنّه يجوز أن يحث تعالى بهذا الجنس على الجهاد ، لكي لا يحصل الكره الذي لولا هذا التحريض كان يقع » .
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 15 / 188 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق .