قوله تعالى :
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 75 إلى 86 ]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 ) قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ( 77 ) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 79 )
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 80 ) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ( 81 ) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 82 ) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 83 ) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ( 84 )
فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 85 ) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 86 )
قوله - تعالى - :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ
الآية .
قرأ « 1 » مجاهد ، وابن جبير ، والأعمش : « إن هذا لساحر » اسم فاعل ، والإشارة ب « هذا » حينئذ إلى موسى ، أشير إليه لتقدم ذكره ، وفي قراءة الجماعة : المشار إليه الشّيء الذي جاء به موسى ، من قلب العصا حيّة ، وإخراج يده بيضاء كالشمس ، ويجوز أن يشار ب « هذا » في قراءة ابن جبير : إلى المعنى الذي جاء به موسى مبالغة ؛ حيث وصفوا المعاني بصفات الأعيان ؛ كقولهم : « شعر شاعر » ، و « جدّ جدّه » .
فإن قيل : إنّ القوم لمّا قالوا :
« إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ » ،
فكيف حكى موسى عنهم أنّهم قالوا :
« أَ سِحْرٌ هذا »
على سبيل الاستفهام ؟ .
فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنّ معمول « أتقولون » : الجملة من قوله :
« أَ سِحْرٌ هذا »
إلى آخره ، كأنهم قالوا : أجئتما بالسّحر تطلبان به الفلاح ، ولا يفلح السّاحرون ؛ كقول موسى - عليه الصلاة والسّلام - للسحرة :
ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ
[ يونس : 81 ] .
والثاني : أنّ معمول القول محذوف ، مدلول عليه بما تقدم ذكره ، وهو
« إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ » .
ومعمول القول يحذف للدّلالة عليه كثيرا ، كما يحذف القول كثيرا ، ويكون تقدير الآية : إن موسى - عليه الصلاة والسّلام - قال لهم :
« أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ »
ما
هامش
( 1 ) ينظر : إتحاف فضلاء البشر 2 / 118 ، المحرر الوجيز 3 / 134 ، البحر المحيط 5 / 180 ، الدر المصون 4 / 57 .