تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
أو بقطع المنافع ، فبيّن فيما تقدّم أنه لا يخاف شرّهم ، وبيّن في هذه الآية أنّه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعوا عنه خيرا ؛ لأنّه ما أخذ منهم شيئا ، فكان يخاف أن يقطعوا منه خيرا ، ثم قال : إن أجري إلّا على اللّه وأمرت أن أكون من المسلمين وفيه قولان : الأول : أنكم سواء قبلتم دين الإسلام ، أو لم تقبلوا ، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام . الثاني : أنّي مأمور بالاستسلام لكلّ ما يصل إليّ لأجل هذه الدّعوة ، وهذا الوجه أليق بهذا الموضع ؛ لأنّه لمّا قال اقضوا إليّ بيّن أنّه مأمور بالاستسلام لكلّ ما يصل إليه . قوله :
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ .
لمّا حكى كلام نوح مع الكفّار ، ذكر - تعالى - ما آل أمرهم إليه : أمّا في حقّ نوح وأصحابه ، فنجّاهم وجعلهم خلائف ، أي : يخلفون من هلك بالغرق ، وأمّا في حق الكفار فإنّه - تعالى - أهلكهم وأغرقهم ، وهذه القصّة إذا سمعها من صدّق الرسول ومن كذب به ، كانت زجرا للمكذّبين فإنهم يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح ، وتكون داعية للمؤمنين إلى الثّبات على الإيمان ؛ ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح . قوله :
« فِي الْفُلْكِ »
يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق ب « نجّيناه » ، أي : وقع الإنجاء في هذا المكان . والثاني : أن يتعلّق بالاستقرار الذي تعلّق به الظرف ، وهو « معه » لوقوعه صلة ، أي : والذين استقرّوا معه في الفلك ، وقوله :
« وَجَعَلْناهُمْ »
أي : صيّرناهم ، وجمع الضمير في « جعلناهم » حملا على معنى « من » ، و « خلائف » جمع خليفة ، أي : يخلفون الغارقين . قوله :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ
أي : من بعد نوح ،
« رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ »
ولم يسمّ الرسل ، وقد كان منهم هود ، وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب ،
« فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ » ،
وهي المعجزات الباهرة ، و « بالبيّنات » متعلق ب « فجاءوهم » أو بمحذوف على أنه حال أي : ملتبسين بالبينات ،
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ »
أي : أنّ حالهم بعد بعثة الرسل ، كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية . قال القرطبيّ : التقدير : بما كذّب به قوم نوح من قبل ، وقيل
« بِما كَذَّبُوا بِهِ »
أي : من قبل يوم الذرّ فإنه كان فيهم من كذّب بقلبه ، وإن قال الجميع : بلى . وقال النحاس : أحسن ما قيل في هذا : أنّه لقوم بأعيانهم ، مثل :
أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ البقرة : 6 ] . و « بالبيّنات » متعلق ب « جاءوهم » ، أو بمحذوف على أنّه حال ، أي : ملتبسين بالبيّنات . وقوله : « ليؤمنوا » أتى بلام الجحود توكيدا ، والضّمير في « كذّبوا » عائد على من عاد عليه الضّمير في كانوا ، وهم قوم الرّسل .