تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
وقال قطرب : يقال : أظلم اللّيل : صار ذا ظلمة ، وأضاء النّهار : صار ذا ضياء ؛ فيكون هذا من باب النسب ؛ كقولهم : لابن وتأمر ، وقوله - تعالى - :
عِيشَةٍ راضِيَةٍ
[ الحاقة : 21 ] ، إلّا أنّ ذلك إنما جاء في الثلاثيّ ، وفي « فعّال » بالتضعيف عند بعضهم في قوله - تعالى - :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] في أحد الأوجه . ثم قال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
أي : يتدبّرون ما يسمعون ، ويعتبرون . فإن قيل : قوله :
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
يدل على أنّه - تعالى - ما جعله إلا لهذا الوجه ، وقوله
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
يدلّ على أنّه - تعالى - أراد بتخليق الليل والنهار أنواعا كثيرة من الدلائل . فالجواب : أن قوله - تعالى - : « لتسكنوا » لا يدلّ على أنّه لا حكمة فيه إلّا ذلك ، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة . قوله تعالى :
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ
الآية . هذا نوع آخر من أباطيلهم التي حكاها اللّه عنهم ، « قالوا » يعني المشركين : الملائكة بنات اللّه ، وقيل : قولهم : الأوثان أولاد اللّه ، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ، ثم استنكر هذا القول ، فقال بعده :
هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فكونه - تعالى - غنيّا مالكا لكلّ ما في السماوات والأرض ، يدلّ على أنه سبحانه يستحيل أن يكون له ولد ، وبيانه من وجوه : الأول : أنّه لو كان محتاجا ، لافتقر إلى صانع آخر ، وهو محال ، وكل من كان غنيّا فلا بد أن يكون فردا منزّها عن الأعضاء والأبعاض ، ومن كان كذلك يمتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، والولد عبارة عن انفصال جزء من أجزاء الإنسان ، ثم يتولّد من ذلك الجزء مثله ، وإذا كان هذا محالا ، ثبت أنّ كونه - تعالى - غنيّا يمنع من ثبوت الولد له . الثاني : أن من كان غنيّا ، كان قديما أزليّا باقيا سرمديّا ، وكل من كان كذلك امتنع عليه الانقراض ، والولد إنما يحصل للشّيء الذي ينقضي وينقرض ، فيكون ولده قائما مقامه ؛ فثبت أنّ كونه - تعالى - غنيّا ، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد . الثالث : أنّ كلّ من كان غنيّا يمتنع أن يكون موصوفا بالشهوة واللذة ، وإذا امتنع ذلك ، امتنع أن يكون له صاحبة وولد . وباقي الوجوه يطول ذكرها . ثم قال :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
وهذا نظير قوله :
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
[ مريم : 93 ] ولمّا بيّن بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه ، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ ، فقال :
إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ
: « إن » نافية و « عندكم » يجوز أن يكون خبرا مقدّما ، و
« مِنْ سُلْطانٍ »
مبتدأ مؤخّرا ، ويجوز أن يكون
« مِنْ سُلْطانٍ »
مرفوعا بالفاعليّة بالظرف قبله ؛ لاعتماده على النفي ، و « من » مزيدة على كلا التقديرين ، وبهذا يجوز أن يتعلق ب « سلطان » لأنّه بمعنى الحجّة والبرهان ، وأن يتعلّق بمحذوف صفة له ؛ فيحكم