تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
الأول : أن الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العلوم ؛ فربّما حصل نوع من الملالة ، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفنّ إلى فنّ آخر ، انشرح ، ووجد في نفسه رغبة شديدة . الثاني : ليتأسّى الرسول وأصحابه بمن سلف من الأنبياء ؛ فإنّ الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفّار مع الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه ، خفّ ذلك على قلبه ، كما يقال : إن المصيبة إذا عمّت خفّت . الثالث : أنّ الكفّار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أنّ الجهّال وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدّمين ، إلّا أنّ اللّه - تعالى - أعانهم بالآخرة ، ونصرهم ، وأيّدهم ، وقهر أعداءهم ، كان سماع هؤلاء الكفّار لهذه القصص ، سببا لانكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف في صدورهم ؛ فحينئذ يقلّلون من الأذى والسّفاهة . الرابع : أنّ محمّدا - عليه الصلاة والسّلام - لمّا لم يتعلّم علما ، ولم يطالع كتابا ، ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوت ، ومن غير زيادة ولا نقصان ، دلّ ذلك على أنّه - عليه الصلاة والسّلام - إنّما عرفها بالوحي والتنزيل ، وحذفت الواو من « أتل » لأنه أمر . قوله :
« إِذْ قالَ »
يجوز أن تكون « إذ » معمولة ل « نبأ » ويجوز أن تكون بدلا من « نبأ » بدل اشتمال ، وجوّز أبو البقاء : أن تكون حالا من « نبأ » وليس بظاهر ، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب « أتل » لفساده ؛ إذ « أتل » مستقبل ، و « إذ » ماض ، و « لقومه » اللام : إمّا للتبليغ ، وهو الظاهر ، وإمّا للعلّة ، وليس بظاهر . قال المفسرون : « قوم نوح هم : ولد قابيل » . قوله :
« كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي »
من باب الإسناد المجازيّ ؛ كقولهم : « ثقل عليّ ظلّه » . وقرأ أبو رجاء ، وأبو مجلز « 1 » ، وأبو الجوزاء : « مقامي » بضمّ الميم ، و « المقام » بالفتح : مكان القيام ، وبالضم : مكان الإقامة ، أو الإقامة نفسها . وقال ابن عطيّة « 2 » : « ولم يقرأ هنا بضمّ الميم » . كأنّه لم يطّلع على قراءة هؤلاء . قال الواحدي : يقال : كبر يكبر كبرا في السّنّ ، وكبر الأمر والشيء ، إذا عظم ، يكبر كبرا وكبّارة ، قال ابن عبّاس : « ثقل عليكم ، وشقّ عليكم » وأراد بالمقام ههنا : مكثه « 3 » . وسبب هذا الثّقل أمران : الأول : أنّه - عليه الصلاة والسّلام - مكث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما . والثاني : أنّ أولئك الكفّار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة ، ومن ألف طريقة
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 131 ، البحر المحيط 5 / 176 ، الدر المصون 4 / 53 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 131 . ( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 362 ) والرازي ( 17 / 109 ) .