تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
ونقل أبو حيّان عن شيخه أبي جعفر : « أنّه جواب لسؤال مقدّر ، كأنّه قيل : فماذا كان حالهم إذ ذاك ؟ فقيل :
« دَعَوُا اللَّهَ » ،
وهذا نقله ابن الخطيب عن بعضهم ، و « مخلصين » حال ، و « له » متعلّق به ، و « الدّين » مفعوله . قوله :
« لَئِنْ أَنْجَيْتَنا »
: اللّام : موطئة للقسم المحذوف ، و « لنكوننّ » : جوابه ، والقسم وجوابه : في محلّ نصب بقول مقدّر ، وذلك القول المقدّر : في محلّ نصب على الحال ، والتقدير : دعوا قائلين : لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ ، ويجوز أن يجرى « دعوا » مجرى « قالوا » لأنّ الدّعاء والقول بمعنى ؛ إذ هو نوع من أنواعه ، وهو مذهب كوفيّ . قوله :
« إِذا هُمْ يَبْغُونَ »
: جواب « لمّا » ، وهي « إذا » الفجائيّة ، وقوله :
« بِغَيْرِ الْحَقِّ »
: حال ، أي : ملتبسين بغير الحقّ ، قال الزمخشري « 1 » : « فإن قلت : ما معنى قوله :
« بِغَيْرِ الْحَقِّ »
والبغي لا يكون بحقّ ؟ قلت : بلى ، وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفّار ، وهدم دورهم ، وإحراق زروعهم ، وقطع أشجارهم ، كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببني قريظة » ، وكان قد فسّر البغي بالفساد ، والإمعان فيه ، من « بغى الجرح : إذا ترامى للفساد » . ولذلك قال الزجاج : « إنّه الترقّي في الفساد » ، وقال الأصمعي أيضا : « بغى الجرح : ترقّى إلى الفساد ، وبغت المرأة : فجرت » . قال أبو حيّان : « ولا يصحّ أن يقال في المسلمين ، إنّهم باغون على الكفرة ، إلّا إن ذكر أنّ أصل البغي ، هو الطلب مطلقا ، ولا يتضمّن الفساد ، فحينئذ ينقسم إلى : طلب بحقّ ، وطلب بغير حقّ » . قال الواحدي : « وأصل البغي : الطلب » ، وقد تقدم أنّ هذه الآي ، تردّ على الفارسي ، أنّ « لمّا » ظرف بمعنى « حين » ؛ لأنّ ما بعد « إذا » الفجائيّة ، لا يعمل فيما قبلها ، وإذ قد فرض كون « لمّا » ظرفا لزم أن يكون لها عامل .

فصل [ في دلالة الآية : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ . .

على أن فعل العبد خلق للّه تعالى ] دلّت هذه الآية : على أن فعل العبد خلق للّه - تعالى - ؛ لأنّه قال : « يسيّركم » ، وقال :
قُلْ سِيرُوا
[ الأنعام : 11 ] وهذا يدل على أن سيرهم منهم ، ومن اللّه ، فيكون كسبا لهم وخلقا للّه . ونظيره قوله - تعالى - :
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ
[ الأنفال : 5 ] وقال في آية أخرى :
إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ التوبة : 40 ] ، وقوله
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى
[ النجم : 43 ] ، مع قوله
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا
[ التوبة : 82 ] ، قال القفال : « هو الذي يسيركم في البرّ والبحر ؛ أي : هو الهادي لكم إلى السّير في البحر والبر ، طلبا للمعاش ، وهو المسير لكم ؛ لأنّه هيّأ لكم أسباب ذلك السّير » ، والجواب : لا شك أنّ المسيّر في
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 17 / 57 ) .