تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
البحر هو اللّه - تعالى جلّ ذكره - ؛ لأنّه هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السّفينة ، وإضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة ، فيجب أن يكون مسيرا لهم في البرّ والبحر ، إذ لو كان مسيّرا لهم في البرّ بمعنى إعطاء الآلات والأدوات ، لكان مجازا ، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازا دفعة واحدة ، وذلك باطل ، على ما تقرر في أصول الفقه ، قال أبو هاشم : « لا يبعد أن يقال : إن اللّه تعالى تكلّم به مرّتين » ، وهذا باطل ؛ لأن هذا القول لم يقل به أحد من الأئمّة ، ممّن كانوا قبله ، فكان خلافا للإجماع ، فيكون باطلا .

فصل [ في معنى الآية : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ . . .

] معنى الآية :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ
على ظهور الدّوابّ ، وفي البحر على الفلك ،
« حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ »
أي : في السفن . والفلك : تكون واحدا ، وجمعا ،
« وَجَرَيْنَ بِهِمْ »
أي : جرت الفلك بالنّاس ، رجع من الخطاب إلى الغيبة . والفائدة فيه من وجوه : أحدها : ما تقدم عن الزمخشري ، وهو المبالغة بذكر حالهم لغيرهم ؛ ليعجبوا منها ، ويستدعي منهم مزيد الإنكار والتّقبيح . وثانيها : قال الجبّائي : « إنّ مخاطبته - سبحانه جلّ ذكره - لعباده ، على لسان الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - بمنزلة الخبر عن الغائب ، وكل من أقام الغائب مقام المخاطب ، حسن منه أن يردّه مرة أخرى إلى الغائب » . وثالثها : قال ابن الخطيب : « إن الانتقال من لفظ الغيبة ، إلى لفظ الحضور ، يدلّ على مزيد التقريب ، والإكرام ، وأمّا الانتقال من لفظ الحضور ، إلى لفظ الغيبة ، فإنه يدلّ على المقت ، والتعذيب ، وهو اللّائق بحال هؤلاء ، لأنّ من كان صفته ، أنّه يقابل إحسان اللّه إليه بالكفر ، أن يكون اللّائق به ذلك » . والأول كما في الفاتحة ، فإن قوله :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ الفاتحة : 1 - 3 ] خطاب غيبة ، ثم قال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] : وهذا يدل على أن العبد ، كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، وهو يوجب علو الدرجة ، وكمال القرب . ثم قال :
« بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ »
: لينة ،
« وَفَرِحُوا بِها »
أي : بالرّيح ، « جاءتها » أي : جاءت الفلك ، أو جاءت الرّيح اللينة كما تقدّم ،
« رِيحٌ عاصِفٌ »
شديدة ، ولم يقل عاصفة ؛ لاختصاص الرّيح بالعصوف ، وقيل : « الرّيح » يذكّر ويؤنث . قال الفراء ، والزجاج : يقال : ريح عاصف ، وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت فهي معصف ومعصفة ، وعصفت الريح : اشتدت ، وأصل العصف : السّرعة ، يقال : ناقة عاصف ، وعصوف ؛ سريعة ، وإنما قيل :
« رِيحٌ عاصِفٌ »
لأنّه يراد ذات عصوف ، كما قيل : لابن وتأمر ؛ أو لأنه لفظ يذكّر ويؤنّث .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 295 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب