تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وترك ما عداه ، إذا كان قد بيّن في موضع آخر ، وقد بيّن اللّه حال القسم الثالث في سائر الآيات . وجوابه : إنّما يترك القسم الذي يجري مجرى النّادر ، ومعلوم أنّ الفسّاق أكثر من أهل الطّاعة ، فكيف يجوز ترك ذكرهم في هذا الباب ؟ وأما قوله تعالى
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ
فإنّما ترك ذكر القسم الرابع ، لأنّ أقسام دواب الأرض كثيرة ، فكان ذكرها بأسرها يوجب الإطناب ، بخلاف مسألتنا ، فإنه ليس هنا إلّا القسم الثّالث ، وهو الفاسق الذي يزعم الخصم أنّه لا مؤمن ولا كافر ، فظهر الفرق . قوله تعالى :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 5 إلى 6 ]

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 ) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ( 6 ) قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
الآية . لمّا ذكر الدلائل الدّالة على الإلهيّة ، وهي التّمسّك بخلق السماوات والأرض ، ثم فرع عليها صحّة القول بالحشر والنشر ، عاد إلى ذكر الدّلائل الدّالة على الإلهيّة ، وهي التمسّك بأحوال الشمس والقمر ، وهو إشارة إلى توكيد الدّليل على الحشر والنشر ؛ لأنّه - تعالى - أثبت القول بالحشر والنشر بناء على أنّه لا بد من إيصال الثّواب إلى أهل الطّاعة ، والعقاب إلى الكفّار ، وأنّه يجب تمييز المحسن عن المسئ . ثم ذكر في هذه الآية أنّه جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل ، ليتوصّل المكلّف بذلك إلى معرفة السنين والحساب ، فيرتّب مهمات معاشه وزراعته وحراثته ، ويعدّ مهمات الشّتاء والصّيف ، فكأنّه تعالى يقول : تمييز المحسن عن المسئ ، أوجب وأولى من تعليم أحوال السّنين والشّهور ، فلمّا اقتضت الحكمة بخلق الشمس والقمر لهذا المهمّ الذي لا نفع له فبأن تقتضي الحكمة والرّحمة تمييز المحسن عن المسئ بعد الموت ، مع أنّه يقتضي النفع الأبديّ والسعادة السّرمديّة كان أولى ، فلمّا كان الاستدلال بأحوال الشّمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية ممّا يدلّ على التّوحيد من وجه ، وعلى صحّة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه ، لا جرم ذكر اللّه تعالى هذا الدّليل بعد ذكر الدّليل على صحّة المعاد . قوله : « ضياء » : إمّا مفعول ثان على أنّ الجعل للتصيير ، وإمّا حال على أنّه بمعنى الإنشاء ، والجمهور على « ضياء » بصريح الياء قبل الألف ، وأصلها واو ؛ لأنّه من الضّوء . وقرأ قنبل « 1 » عن ابن كثير هنا وفي الأنبياء والقصص « ضئاء » بقلب الياء همزة ، فتصير
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة ص ( 323 ) ، الحجة 4 / 258 ، حجة القراءات ص ( 328 ) ، إعراب القراءات 1 / 261 - 262 ، إتحاف 2 / 104 .