تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
والضمير في « قدّره » يعود على القمر وحده ، لأنّه هو عمدة العرب في تواريخهم . وقال ابن عطيّة : « ويحتمل أن يريدهما معا بحسب أنهما يتصرّفان في معرفة عدد السّنين والحساب لكنّه اجتزىء بذكر أحدهما ، كقوله تعالى
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
[ التوبة : 62 ] ؛ وكما قال الشاعر : [ الطويل ]
2877 - رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطّويّ رماني « 1 »
قوله « لتعلموا » : متعلّق ب « قدّره » ، وسئل أبو عمرو عن الحساب : أتنصبه أم تجرّه ؟ فقال : ومن يدري ما عدد الحساب ؟ يعني أنه سئل : هل تعطفه على « عدد » فتنصبه أم على « السّنين » فتجرّه ؟ فكأنّه قال : لا يمكن جرّه ، إذ يقتضي ذلك أن يعلم عدد الحساب ولا يقدر أحد أن يعلم عدده .

فصل [ في معنى الآية : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً . .

] معنى الآية :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
بالنهار ،
« وَالْقَمَرَ نُوراً »
بالليل . وقيل : جعل الشمس ذات ضياء ، والقمر ذا نور ،
« وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ »
أي : قدّر له ، يعنى : هيّأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها ، ولم يقل قدرهما . قيل تقدير المنازل منصرف اليهما ، واكتفى بذكر أحدهما لما قدّمنا . وقيل : ينصرف إلى القمر خاصة ، لأن بالقمر خاصة يعرف انقضاء الشّهور والسّنين ، لا بالشمس . ومنازل القمر هي : المنازل المشهورة ، وهي الثمانية والعشرون منزلا ، وهذه المنازل مقسومة على البروج الاثني عشر ، لكل برج منزلتان واحدة إن كان الشهر تسعا وعشرين ، فيكون انقضاء الشهر مع نزوله تلك المنازل ، ويكون مقام الشهر في كل منزلة ثلاثة عشر يوما ، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها . واعلم : أنّ الشمس سلطان النهار وأنّ القمر سلطان الليل ، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة ، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم ، وبحركة القمر تحصل الشهور ، وباختلاف حاله في زيادة ضوئه ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم ، وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل ، فالنهار زمان التّكسّب والطلب ، والليل زمان للرّاحة ، وهذا يدلّ على كثرة رحمة اللّه - تعالى - للخلق وعظم عنايته لهم . قال حكماء الإسلام : هذا يدلّ على أنه - تعالى - أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواصّ معينة ، وقوى مخصوصة باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السّفلي ، إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم ، لكان خلقها عبثا وباطلا بغير فائدة ، وهذه النّصوص تنافي ذلك . قوله :
ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
« ذلك » إشارة إلى الخلق ، والتقدير : ما خلق اللّه ذلك المذكور إلا ملتبسا بالحقّ ، فيكون حالا : إمّا من الفاعل وإمّا من المفعول . وقيل :
هامش
( 1 ) تقدم .