تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وقيل : المراد من العرش : الملك ، يقال : فلان على عرشه أي : ملكه . وقال أبو مسلم الأصفهاني . « المراد بالعرش : أنّه تعالى لمّا خلق السماوات والأرض سطحها ورفع سمكها ، فإنّ كلّ بناء يسمّى عرشا ، وبانيه يسمّى عارشا ، قال تعالى
وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
[ النحل : 68 ] أي : يبنون ، وقال :
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[ البقرة : 259 ] ، والمراد : أنّ القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقفها ، وقال :
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[ هود : 7 ] أي : بناؤه على الماء ، وإنّما ذكر اللّه تعالى ذلك ، لأنه أعجب في القدرة ، لأنّ الباني يتباعد عن الماء إلى الأرض الصلبة ، لئلّا ينهدم بناؤه ، واللّه تعالى بنى السماوات والأرض على الماء ، ليعرف العقلاء كمال قدرته ، فالمراد بالاستواء على العرش : هو الاستعلاء عليه بالقهر ، لقوله
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ
[ الزخرف : 12 ، 13 ] ، فوجب حمل اللفظ على ذلك ، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السّماء ، لأنّ الاستدلال على وجود الصّانع ، يجب أن يكون بشيء معلوم ومشاهد ، والعرش الذي في السماء ليس كذلك ، وأمّا أجرام السماوات والأرض فهي مشاهدة محسوسة ، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصّانع صوابا حسنا » . وبهذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها
[ النازعات : 27 ] الآية . قوله :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه في محل رفع خبرا ثانيا ل « إنّ » . الثاني : أنّه حال . الثالث : أنه مستأنف لا محلّ له من الإعراب . ومعنى
« يُدَبِّرُ الْأَمْرَ »
: يقضيه وحده على حسب مقتضى الحكمة ، أي : يدبّر أحوال الخلق ، وأحوال ملكوت السماوات والأرض . قوله
ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
أي : يدبر الأشياء ، لا بشفاعة شفيع ، ولا تدبير مدبر ، فمعناه : أن الشفعاء لا يشفعون إلا من بعد إذنه . فإن قيل : كيف يليق ذكر الشّفيع مع ذكر مبدأ الخلق ، وإنّما يليق ذكره بأحوال القيامة ؟ فالجواب : قال الزّجّاج : إنّ الكفّار الذين كانوا مخاطبين بهذه الآية كانوا يقولون : إنّ الأصنام شفعاؤنا عند اللّه . وهذا ردّ على النضر بن الحارث ، كان يقول : إذا كان يوم القيامة تشفعني اللّات والعزّى . وقال أبو مسلم : « الشّفيع هاهنا هو الثاني ، مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر ، كما يقال : الزوج والفرد » . فمعنى الآية : خلق اللّه السماوات والأرض وحده لا شريك يعينه ، ثم خلق الملائكة والجنّ والبشر ، وهو المراد من قوله
إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
أي : لم يحدث أحد ولم يدخل في الوجود ، إلّا من بعد أن قال له : كن حتّى كان . ثم قال
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 260 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب