تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
وقال قتادة « هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية » « 1 » . قال تعالى :
فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ
أي : على العهد :
فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ
[ يعني ما أقاموا على العهد ثم إنهم لم يستقيموا ] ونقضوا العهد ، وأعانوا بني بكر على خزاعة ، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم ، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا ، فأسلموا قبل الأربعة أشهر . وقال السدي والكلبي وابن إسحاق : إنهم قبائل من بني بكر وهم خزيمة ، وبنو مدلج من ضمرة ، وبنو الديل ، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ولم يكن نقض إلا قريش ، وبنو الديل من بكر ؛ فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة ، وهذا القول أقرب إلى الصواب ؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة ؛ لأن بعد الفتح كيف يقول قد مضى :
فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ .
وإنما هم الذين قال الله - عز وجل - فيهم :
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً
كما نقصكم قريش ، ولم يظاهروا عليكم كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة ، وهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم « 2 » . قوله
« فَمَا اسْتَقامُوا »
يجوز في « ما » أن تكون مصدرية ظرفية ، وهي محل نصب على ذلك أي : فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم ، ويجوز أن تكون شرطية ، وحينئذ ففي محلها وجهان : أحدهما : أنها في محل نصب على الظرف الزماني ، والتقدير : أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، ونظره أبو البقاء بقوله :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
[ فاطر : 2 ] . والثاني : أنها في محل رفع بالابتداء ، وفي الخبر الأقوال المشهورة ، و
« فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ »
جواب الشرط ، وقد نحا إليه الحوفي ، ويحتاج إلى حذف عائد ، أي : أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، وقد جوز ابن مالك في « ما » المصدرية الزمانية أن تكون شرطية جازمة ، وأنشد على ذلك : [ الطويل ]
2751 - فما تحي لا تسأم حياة . وإن تمت * فلا خير في الدنيا ولا العيش أجمعا « 3 »
ولا دليل فيه ، لأن الظاهر الشرطية من غير تأويل بمصدرية وزمان . قال أبو البقاء « 4 » : « ولا يجوز أن تكون نافية ، لفساد المعنى ، إذ يصير المعنى
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري ف ي « تفسيره » ( 6 / 324 ) وذكره السيوطي ف ي « الدر المنثور » ( 3 / 386 ) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 2 ) ذكره البغوي ف ي « تفسيره » ( 2 / 270 ) ( 3 ) البيت لعبد اللّه بن الزبير الأسدي ينظر : الأشموني 4 / 12 الدر المصون 3 / 446 . ( 4 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 2 / 12 .