تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
صدقة إلّا عن غنى ، ومن غنى » ، وفعل ذلك فلان من أشره وبطره ، وعن أشره وبطره » . وقيل : لفظة « عن » تشعر ببعد ما ، تقول : جلس عن يمين الأمير ، أي : مع نوع من البعد . والظّاهر أنّ « عن » للمجاوزة على بابها ، والمعنى : يتجاوز عن عباده بقبول توبتهم ، فإذا قلت : أخذت العلم عن زيد ؛ فمعناه المجاوزة ، وإذا قلت « منه » فمعناه ابتداء الغاية . قال القاضي : « لعلّ « عن » أبلغ ؛ لأنّه ينبئ عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التّوبة التي قبلت » قوله :
« وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ »
فيه سؤال : وهو أنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ الآخذ هو اللّه تعالى ، وقوله :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
يدلّ على أنّ الآخذ هو الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - ، وقوله عليه الصلاة والسّلام لمعاذ « خذها من أغنيائهم » « 1 » يدلّ على أنّ آخذ تلك الصدقات معاذ ، وإذا دفعت إلى الفقير فالحسّ يشهد أن آخذها هو الفقير ، فكيف الجمع بين هذه الألفاظ ؟ . والجواب من وجهين : الأول : أنّه تعالى لمّا قال
« خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ »
ثمّ ذكر ههنا أنّ الآخذ هو ، علم منه أنّ أخذ الرسول قائم مقام أخذ اللّه ، والمقصود منه : التنبيه على تعظيم شأن الرسول - عليه الصلاة والسّلام - ، ونظيره قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : 10 ] . والثاني : أنّه أضيف إلى الرسول ، بمعنى أنّه يأمر بأخذها ، ويبلغ حكم اللّه في هذه الواقعة إلى النّاس ، وأضيف إلى الفقير ، بمعنى أنّه هو الذي يباشر الأخذ ، ونظيره أنّه أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ
[ الأنعام : 60 ] ، وأضافه إلى ملك الموت بقوله :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
[ السجدة : 11 ] وأضافة إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت بقوله :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
[ الأنعام : 61 ] ، فأضيف إلى اللّه بالخلق ، وإلى ملك الموت بالرئاسة في ذلك النّوع من العمل ، وإلى أتباع ملك الموت بالمباشرة التي عندها يخلق اللّه الموت ، فكذا ههنا . قوله :
« هُوَ التَّوَّابُ »
يجوز أن يكون فصلا ، وأن يكون مبتدأ بخلاف ما قبله . فصل روى أبو هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « والّذي نفسي بيده ما من عبد يتصدّق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل اللّه إلّا طيبا ، ولا يصعد إلى السّماء إلّا الطّيب إلّا كأنما يضعها في يد الرّحمن فيربيها له كما يربّي أحدكم فلوّه حتّى إنّ اللّقمة لتأتي يوم القيامة ، وأنّها لمثل الجبل العظيم » ، ثم قرأ : « أنّ اللّه هو يقبل التّوبة عن عباده ويأخذ الصّدقات » « 2 » . قوله تعالى :
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
الآية .
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 493 ) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي الشيخ .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 197 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب