تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥

فصل [ في دلالة الآية على أن الزكاة تتعلق بالأموال لا بالذمة ]

دلّت هذه الآية على أنّ الزّكاة تتعلّق بالأموال لا بالذّمة ، لقوله
« خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ »
فلو مات أخذت من التّركة . وقال الشّافعيّ : إنّها تتعلّق بالذّمة ، فلو فرط حتى هلك النصاب ، وجبت الزّكاة ؛ لأنّ الذي هلك ما كان محلا للحق . ودلّت الآية أيضا على أنّ الزّكاة إنّما وجبت طهرة للآثام ؛ فلا تجب إلا على البالغ . وهو قول أبي حنيفة . وإذا قلنا : تتعلّق بالمال وجبت في مال الصّبي ، وفي مال المديون .

فصل [ في معنى التطهر المذكور في الآية ]

معنى التّطهّر ما روي أن الصدقة أوساخ النّاس ، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ ؛ فكان دفعها جاريا مجرى التّطهر . والتّزكية : مبالغة في التطهر ، وقيل : التّزكية بمعنى الإنماء ، وقيل : الصّدقة تطهرهم من نجاسة الذّنب والمعصية ، والرسول يزكيهم ، ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء . ولذلك يقول السّاعي له : آجرك اللّه فيما أعطيت ، وبارك لك فيما أبقيت ، وجعله لك طهورا . قوله :
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ .
قرأ الأخوان « 1 » ، وحفص « إنّ صلاتك » ، وفي هود
أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ
[ هود : 87 ] بالتّوحيد - والباقون « إن صلاتك » ، « أصلواتك » بالجمع فيهما ، وهما واضحتان ، إلّا أنّ الصلاة هنا : الدّعاء ، وفي تيك : العبادة . قال أبو عبيد : وقراءة الإفراد أولى ؛ لأنّ الصّلاة أكثر ، قال تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
[ البقرة : 43 ] والصلوات جمع قلّة ، تقول : ثلاث صلوات ، وخمس صلوات . قال أبو حاتم : وهذا غلط ، لأنّ بناء الصلوات ليس للقلة ، قال تعالى :
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ] ولم يرد التّقليل ، وقال :
وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ
[ سبأ : 37 ] ، وقال
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ
[ الأحزاب : 35 ] . والسّكن : الطمأنينة . وقال ابن عبّاس : رحمة لهم « 2 » . وقال أبو عبيدة : تثبيتا لقلوبهم ؛ ومن الطمأنينة قوله : [ البسيط ]
2844 - يا جارة الحيّ ألّا كنت لي سكنا * إذ ليس بعض من الجيران أسكنني « 3 »
ف « فعل » بمعنى « مفعول » ، كالقبض بمعنى : المقبوض ، والمعنى : يسكنون إليها . قال أبو البقاء : « ولذلك لم يؤنّثه » . لكن الظّاهر أنّه هنا بمعنى « فاعل » ، لقوله : « لهم » . ولو كان كما قال لكان التّركيب « سكن إليها » أي : مسكون إليها ، فقد ظهر أنّ المعنى : مسكّنة لهم .
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة ص ( 317 - 318 ) ، الحجة 4 / 213 ، حجة القراءات ص ( 322 ) ، إعراب القراءات 1 / 252 ، إتحاف 2 / 97 . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 324 ) . ( 3 ) ينظر البيت في البحر 5 / 100 ، الدر المصون 3 / 501 ، تفسير الماوردي 2 / 163 .