فالجواب : ما ذكرتموه محتمل ؛ إلّا أنه على تقديركم ، يصير تكليفه ، أن لا يحكم البتة ، حتى ينزل الوحي ، فلمّا ترك ذلك ، كان كبيرة ، وعلى تقديرنا يكون ذلك الخطأ خطأ في الاجتهاد فيؤجر عليه ، لقوله : « ومن اجتهد فأخطأ فله أجر » فكان حمل الكلام عليه أولى .
فصل [ في دلالة الآية على وجوب التثبت ]
دلّت هذه الآية على وجوب التثبت ، وعدم العجلة ، والتّأنّي ، وترك الاغترار بظواهر الأمور ، والمبالغة في التفحص ، حتّى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه .
فصل
قال قتادة : عاتبه اللّه كما تسمعون في هذه الآية ، ثمّ رخّص له في سورة النّور فقال :
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
« 1 » [ النور : 62 ] .
فصل [ في المراد من الإذن في قوله لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
]
قال أبو مسلم الأصفهاني في قوله
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ »
: ليس فيه ما يدل على أنّ الإذن في ماذا ؟ فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود ؛ فأذن له ، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج ؛ فأذن له ، مع أنّ ما كان خروجهم معه صوابا ، لكونهم عيونا للمنافقين على المسلمين ، وكانوا يثيرون الفتن ، فلهذا ما كان خروجهم مع الرّسول مصلحة ، قال القاضي « هذا بعيد ؛ لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه الذّم للمتخلفين ، والمدح للمبادرين وأيضا ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان حالهم » .
قوله تعالى :
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 44 إلى 48 ]
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 )
قوله تعالى :
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
الآية .
أي : لا يستأذنوك في التخلف
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ .
قوله :
« أَنْ يُجاهِدُوا »
فيه وجهان :
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 381 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 442 ) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبي الشيخ .