تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
لانجرارها ، وتقديم الجارّ للأول واجب ؛ لأنّه جرّ ما له صدر الكلام ، ومتعلّق الإذن محذوف ، يجوز أن يكون القعود ، أي : لم أذنت لهم في القعود ، ويدل عليه السّياق من اعتذارهم عن تخلّفهم عنه عليه السّلام . ويجوز أن يكون الخروج ، أي : لم أذنت لهم في الخروج ، لأنّ خروجهم فيه مفسدة من التخذيل ، وغيره ، يدلّ عليه : « لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلّا خبالا » . قوله :
« حَتَّى يَتَبَيَّنَ »
يجوز في « حتى » أن تكون للغاية ، ويجوز أن تكون للتعليل ، وعلى كلا التقديرين فهي جارّة ، إمّا بمعنى « إلى » ، وإمّا بمعنى اللام ، و « أن » مضمرة بعدها ، ناصبة للفعل ، وهي متعلقة بمحذوف . قال أبو البقاء : « تقديره : هلّا أخّرتهم إلى أن يتبيّن ، أو ليتبيّن ، وقوله :
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ »
يدلّ على المحذوف ، ولا يجوز أن تتعلّق « حتّى » ب « أذنت » لأنّ ذلك يوجب أن يكون أذن لهم إلى هذه الغاية ، أو لأجل التّبيين ، وذلك لا يعاتب عليه » وقال الحوفيّ : « حتى غاية لما تضمّنه الاستفهام ، أي : ما كان له أن يأذن لهم ، حتى يتبيّن له العذر » . وفي هذه العبارة بعض غضاضة .

فصل [ في حكم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع ]

احتجّوا بهذه الآية على أنّ الرسول - عليه الصّلاة والسّلام - ؛ كان يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع ، ولدخوله عليه الصلاة والسّلام تحت قوله تعالى :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : 2 ] والرسول - عليه الصّلاة والسّلام - كان سيدا لهم ، ثمّ أكّدوا ذلك بهذه الآية فقالوا : إمّا أن يقال : إنه تعالى أذن له في ذلك الإذن ، أو منعه عنه ، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه والأول باطل ، وإلّا امتنع أن يقول له :
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ » ،
والثاني باطل ؛ لأنه يلزم منه أن يقال : إنّه حكم بغير ما أنزل اللّه ، فيدخل تحت قوله :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ المائدة : 44 - 47 ] الآيات . وذلك باطل بصريح القول . فلم يبق إلّا أنّه عليه الصلاة والسّلام أذن في تلك الواقعة من تلقاء نفسه ، فإمّا أن يكون ذلك عن اجتهاد ، أو لا ، والثاني باطل ؛ لأنه حكم بمجرد التشهي وهو باطل كقوله تعالى :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
[ مريم : 59 ] فلم يبق إلّا أنه عليه الصّلاة والسّلام أذن في تلك الواقعة بالاجتهاد . فإن قيل : الآية تدلّ على أنّه لا يجوز له الاجتهاد ؛ لأنه تعالى منعه بقوله :
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ » ؟
فالجواب : أنه تعالى ما منعه من الإذن مطلقا ، لقوله تعالى :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
[ التوبة : 43 ] والحكم الممدود إلى غاية ب « حتّى » يجب انتهاؤه عند حصول الغاية فدلّ على صحة قولنا . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التّبيين هو التّبيين بطريق الوحي ؟ .