تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ولو قلت : « وأنا قائم » حالا من ضمير « ليفعلنّ » لم يجز ، وكذا عكسه ، نحو : حلف زيد لأفعلنّ يقوم ، تريد : قائما ، لم يجز . وأمّا قوله : « وجاء به على لفظ الغائب ؛ لأنه مخبر عنهم » فمغالطة ، ليس مخبرا عنهم بقوله :
« لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا »
، بل هو حاك لفظ قولهم . ثمّ قال : ألا ترى لو قيل : لو استطاعوا لخرجوا ، لكان سديدا . . . إلى آخره . كلام صحيح ، لكنه - تعالى - لم يقل ذلك إخبارا عنهم ، بل حكاية ، والحال من جملة كلامهم المحكيّ ، فلا يجوز أن يخالف بين ذي الحال وحاله ، لاشتراكهما في العامل ، لو قلت : قال زيد : خرجت يضرب خالدا ، تريد : أضرب خالدا ، لم يجز . ولو قلت : قالت هند : خرج زيد أضرب خالدا ، تريد : خرج زيد ضاربا خالدا ، لم يجز ، انتهى . الرابع : أنّها جملة استئنافية ، أخبر اللّه عنهم بذلك .

فصل [ في معنى الآية : لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً . . .

] معنى الآية : أنّه لو كانت المنافع قريبة ، والسّفر قريبا لاتبعوك طمعا منهم في الفوز بتلك المنافع ، ولكن طال السفر ، وكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة ، بسبب استعظامهم غزو الرّوم ، فلهذا تخلّفوا ، ثمّ أخبر تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم :
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ
إمّا عندما يعاتبهم بسبب التخلف ، وإمّا ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف ، ثم بيّن أنّهم يهلكون أنفسهم بسبب الكذب والنّفاق ، وهذا يدلّ على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك ، ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام « اليمين الغموس تدع الدّيار بلاقع » « 1 » . ثم قال :
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
في قولهم ما كنا نستطيع الخروج فإنهم كانوا مستطيعين الخروج ، فكانوا كاذبين في أيمانهم .

فصل [ في إخبار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنهم سيحلفون قبل أن يحلفوا ]

قالوا : الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - أخبر عنهم أنّهم سيحلفون ، وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل ، والأمر لمّا وقع كما أخبر كان إخبارا عن الغيب ، فكان معجزا . قوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
الآية . لمّا بيّن تعالى بقوله :
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ
أنه تخلف قوم عن ذلك الغزو ، وليس فيه بيان أنّ ذلك التخلف كان بإذن الرسول أم لا ؟ فلمّا قال بعده :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
دلّ هذا ، على أنّ فيهم من تخلّف بإذنه . قوله :
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ »
« لم » ، و « لهم » كلاهما متعلق ب « أذنت » ، وجاز ذلك ؛ لأنّ معنى اللّامين مختلف ؛ فالأولى للتعليل ، والثانية للتبليغ . وحذفت ألف « ما » الاستفهامية
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي ( 10 / 35 ) .