تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
المفعول والفاعل في العامل ، فعلى هذا يجوز : « ضرب هندا غلامها القرشيّة » ، وقوله
« أَوْ كَسَبَتْ »
عطف على
« لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ »
. وفي هذه الآية بحوث حسنة تتعلّق بعلم العربيّة وعليها تبنى مسائل من « أصول الدّين » ، وذلك أنّ المعتزليّ يقول : « مجرّد الإيمان الصّحيح لا يكفي ، بل لا بدّ من انضمام عمل يقترن به ويصدّقه » ، واستدلّ بظاهر هذه الآية ، وذلك كما قال الزّمخشريّ :
« لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ »
: صفة لقوله « نفسا » وقوله :
« أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً »
عطفت على « آمنت » والمعنى : أنّ أشراط السّاعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة مضطرّة ، ذهب أوان التّكليف عندها ؛ فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدّمة إيمانها قبل ظهور الآيات ، أو مقدّمة إيمانها غير كاسبة خيرا في إيمانها ؛ فلم يفرّق كما ترى بين النّفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان ، وبين النّفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيرا ، ليعلم أن قوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ *
جمع بين قرينتين ، لا ينبغي أن تنفكّ إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبها ويسعد ، وإلّا فالشقوة والهلاك . وقد أجاب بعض النّاس هذا الظّاهر : بأن المعنى بالآية الكريمة : أنّه إذا أتى بعض الآيات ، لا ينفع نفسا كافرة إيمانها الّذي أوقعته إذ ذلك ، ولا ينفع نفسا سبق إيمانها وما كسبت فيه خيرا ، فقد علّق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين : إمّا نفي سبق الإيمان فقط ، وإمّا سبقه مع نفي كسب الخير ، ومفهومه : أنّه ينفع الإيمان السّابق وحده أو السّابق ومعه الخير ، ومفهوم الصّفة قويّ . فيستدل بالآية لمذهب أهل السّنّة ، فقد قلبوا دليلهم دليلا عليهم . وقد أجاب القاضي ناصر الدّين بن المنير عن قول الزّمخشري - رحمه اللّه - فقال : « قال أحمد : هو يروم الاستدلال على أنّ الكافر والعاصي في الخلود سواء ، حيث سوّى في الآية بينهما ؛ في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات ولا يتم ذلك ، فإنّ هذا الكلام في البلاغة يلقّب ب « اللّفّ » وأصله : يوم يأتي بعض آيات ربّك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد ، ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ما تكسبه من الخير بعد ، فلفّ الكلامين ؛ فجعلهما كلاما واحدا إيجازا وبلاغة ، ويظهر بذلك أنّها لا تخالف مذهب الحقّ فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ، وإن نفع الإيمان المتقدّم من الخلود ، فهي بالرّد على مذهبه أولى من أن تدلّ له » . الثاني : أن هذه الجملة في محلّ نصب على الحال من الضّمير المجرور ، قاله أبو البقاء « 1 » ، يعني : من « ها » في إيمانها . الثالث : أن تكون مستأنفة . وبهذا بدأ أبو البقاء ، وثنّى بالحال ، وجعل الوصف
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 266 .