تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
الثاني : أنها بدل من « كسالى » ؛ ذكره أبو البقاء « 1 » ، فيكون حالا من فاعل « قاموا » وفيه نظر ، لأنّ الثّاني ليس الأول ولا بعضه ولا مشتملا عليه . الثالث : أنها مستأنفة أخبر عنهم بذلك ، وأصل يراؤون : يرائيون ، فأعلّ كنظائره ، والجمهور على : « يراؤون » من المفاعلة . قال الزّمخشريّ : فإن قلت : ما معنى المراءاة ، وهي مفاعلة من الرّؤية ؟ قلت : لها وجهان : أحدهما : أنّ المرائي يريهم عمله ، وهم يرونه الاستحسان . والثاني : أن تكون من المفاعلة بمعنى : التّفعيل ، يقال : نعّمه وناعمه ، وفنّقه وفانقه ، وعيش مفانق ، وروى أبو زيد : « رأّت المرأة المرآة [ الرّجل ] » إذا أمسكتها له ليرى وجهه ؛ ويدل عليه قراءة ابن أبي « 2 » إسحاق : « يرؤّونهم » بهمزة مشدّدة مثل : يدعّونهم ، أي : يبصّرونهم ويراؤونهم كذلك ، يعني : أن قراءة : « يرؤّونهم » من غير ألف ، بل بهمزة مضمومة مشدّدة توضّح أنّ المفاعلة هنا بمعنى التفعيل . قال ابن عطيّة : « وهي - يعني هذه القراءة - أقوى من « يراؤون » في المعنى ؛ لأنّ معناها يحملون النّاس على أن يروهم ، ويتظاهرون لهم بالصّلاة ويبطنون النّفاق » وهذا منه ليس بجيّد ؛ لأنّ المفاعلة إن كانت على بابها ، فهي أبلغ لما عرف غير مرّة ، وإن كانت بمعنى التفعيل ، فهي وافية بالمعنى الذي أراده ، وكأنه لم يعرف أنّ المفاعلة قد تجيء بمعنى التّفعيل . ومتعلّق المراءاة محذوف ؛ ليعمّ كلّ ما يراءى به ، والأحسن أن تقدّر : يراؤون النّاس بأعمالهم . قوله :
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
« ولا يذكرون » ، يجوز أن يكون عطفا على « يراؤون » ، وأن يكون حالا من فاعل « يراؤون » وهو ضعيف ؛ لأن المضارع المنفيّ ب « لا » كالمثبت ، والمثبت إذا وقع حالا ، لا يقترن بالواو ، فإن جعلها عاطفة ، جاز . وقوله : « قليلا » : نعت لمصدر محذوف ، أو لزمان محذوف ، أي : ذكرا قليلا أو زمنا قليلا ، والقلة هنا على بابها ، وجوّز الزّمخشريّ وابن عطيّة : أن تكون بمعنى العدم ، ويأباه كونه مستثنى ، وقد تقدّم الردّ عليهما في ذلك .

[ فصل في شرح هذه الآيات ]

قال ابن عبّاس ، والحسن : إنّما قال ذلك ؛ لأنّهم يفعلونها رياء وسمعة « 3 » ، ولو
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 199 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 393 ، والدر المصون 2 / 446 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 9 / 331 ) عن قتادة وابن زيد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 417 ) عن قتادة وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر . وذكره أبو حيان في « البحر المحيط » ( 3 / 393 ) عن الحسن .