تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 627

مساهمون:

ص٦٢٧
وخرّجوا هذه القراءة على أن « يوم » منصوب على الظرف ، وهو متعلق في الحقيقة بخبر المبتدأ أي : هذا واقع أو يقع في يوم ينفع ، فيستوي هذا مع تخريج القراءة الأولى والثانية أيضا في المعنى . ومنهم من خرّجه على أنّ « هذا » منصوب ب « قال » ، وأشير به إلى المصدر فنصبه على المصدر ، وقيل : بل أشير به إلى الخبر والقصص المتقدمة فيجري في نصبه خلاف : هل هو منصوب نصب المفعول به أو نصب المصادر ؟ لأنه متى وقع بعد القول ما يفهم كلاما نحو : « قلت شعرا وخطبة » جرى فيه هذا الخلاف ، وعلى كلّ تقدير ف « يوم » منصوب على الظرف ب « قال » أي : قال اللّه هذا القول أو هذه الأخبار في وقت نفع الصادقين ، و « ينفع » في محلّ خفض بالإضافة ، وقد تقدّم ما يجوز إضافته إلى الجمل وأنه أحد ثلاثة أشياء . وأمّا قراءة التنوين فرفعه على الخبرية كقراءة الجماعة ، ونصبه على الظرف كقراءة نافع ، إلا أنّ الجملة بعده في القراءتين في محل الوصف لما قبلها ، والعائد محذوف ، وهي نظيرة قوله تعالى :
يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
[ البقرة : 48 ] ، فيكون محلّ هذه الجملة إما رفعا أو نصبا . قوله : « صدقهم » مرفوع بالفاعلية ، وهذه قراءة العامة ، وقرىء « 1 » شاذا بنصبه وفيه أربعة أوجه ، أحدها : أنه منصوب على المفعول من أجله أي : ينفعهم لأجل صدقهم ، ذكر ذلك أبو البقاء « 2 » ، وتبعه أبو حيان وهذا لا يجوز لأنه فات شرط من شروط النصب ، وهو اتحاد الفاعل ، فإنّ فاعل النفع غير فاعل الصدق ، وليس لقائل أن يقول : « ينصب بالصادقين فكأنه قيل : الذين يصدقون لأجل صدقهم فيلزم اتحاد الفاعل » لأنه يؤدي إلى أنّ الشيء علة لنفسه ، وللقول فيه مجال . الثاني : على إسقاط حرف الجر أي : بصدقهم ، وهذا فيه ما عرف من أن حذف الحرف لا يطّرد . الثالث : أنه منصوب على المفعول به ، والناصب له اسم الفاعل في « الصادقين » أي : الذين صدقوا صدقهم ، مبالغة نحو : « صدقت القتال » كأنك وعدت القتال فلم تكذبه ، وقد يقوّي هذا نصبه على المفعول له ، والعامل فيه اسم الفاعل قبله . الرابع : أنه مصدر مؤكد كأنه قيل : الذين يصدقون الصدق كما تقول : « صدق الصدق » ، وعلى هذه الأوجه كلّها ففاعل « ينفع » ضمير يعود على اللّه تعالى .

فصل في معنى الآية

أجمعوا على أنّ المراد بهذا اليوم هو يوم القيامة ، والمعنى : أنّ صدقهم في الدّنيا ينفعهم في الآخرة ؛ لأنّ صدق الكفّار في القيامة لا ينفعهم ، ألا ترى أنّ إبليس قال :
إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ
[ إبراهيم : 22 ] ، فلم ينفعه هذا الصّدق ، وهذا الكلام تصديق من اللّه تعالى لعيسى في قوله :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
.
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 69 ، الدر المصون 2 / 660 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 234 .