تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
وقيل : أراد بالصّادقين النّبيّين . وقال الكلبيّ : ينفع المؤمنين إيمانهم « 1 » . وقال قتادة : متكلّمان يخطبان يوم القيامة : عيسى - عليه الصلاة والسلام - ، وهو ما قصّ اللّه عزّ وجلّ - وعدوّ اللّه إبليس ، وهو قوله :
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ
[ إبراهيم : 22 ] فصدق عدوّ اللّه يومئذ ، وكان قبل ذلك كاذبا ، فلم ينفعه صدقه « 2 » ، فأمّا عيسى - عليه السّلام - فكان صادقا في الدّنيا والآخرة فنفعه صدقه . وقال بعضهم : المراد صدقهم في العمل للّه في يوم من أيّام الدّنيا ؛ لأنّ دار الآخرة دار جزاء لا دار عمل . وقيل : المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشّهادة لأنبيائهم بالبلاغ ، وفيما شهدوا به على أنفسهم كالعدم من أعمالهم ، ويكون وجه النّفع فيه أن يكفّوا « 3 » المؤاخذة بتركهم كتم الشّهادة ، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم على أنفسهم ، ثمّ بين ثوابهم ، فقال :
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ،
فبيّن أنّ ذلك النّفع هو الثّواب ، وهو حقيقة خالصة دائمة مقرونة بالتّعظيم . واعلم : أنّه تبارك وتعالى إنّما ذكر الثّواب ، قال :
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
، فيذكر معه لفظ التأبيد ، وإنّما ذكر عقاب الفسّاق من أهل الإيمان ، فيذكر معه لفظ الخلود ، ولم يذكر معه لفظ التّأبيد وقوله : « رضي اللّه عنهم » معناه الدعاء .
وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الجمهور على أنّ قوله :
« ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
عائد إلى جملة ما تقدّم من قوله :
« لَهُمْ جَنَّاتٌ »
، إلى قوله :
« وَرَضُوا عَنْهُ »
. قال ابن الخطيب « 4 » : وعندي أنّه يحتمل أن يكون مختصّا بقوله :
« رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ »
؛ لأنّه ثبت عند أرباب العقول ، أن جملة الجنّة بما فيها بالنّسبة إلى رضوان اللّه - تبارك وتعالى - بالنّسبة إلى الوجود ، وكيف والجنّة مرغوب الشّهوة ، والرّضوان صفة الحقّ ، وأيّ مناسبة بينهما ! ثم قال - تبارك وتعالى - معظّما لنفسه :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. قيل : إنّ هذا جواب عن سؤال مقدّر ، كأنّه قيل : من يعطيهم ذلك الفوز العظيم ، فقيل : الذي له ملك السماوات والأرض . قال القرطبي : جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله فأخبر
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 2 / 82 . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر » ( 2 / 617 ) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ عن قتادة . ( 3 ) في أ : يكتموا . ( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 12 / 115 .