تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
قوله :
« يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ »
تقدّم الكلام في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها ، و
« ابْنَ مَرْيَمَ »
صفة ل « عيسى » نصب ؛ لأنه مضاف ، وهذه قاعدة كلية مفيدة ، وذلك أنّ المنادى المفرد المعرفة الظاهر الضّمّة ، إذا وصف ب « ابن » أو « ابنة » ، ووقع الابن أو الابنة بين علمين أو اسمين متفقين في اللفظ ، ولم يفصل بين الابن وبين موصوفه بشيء ، تثبت له أحكام منها : أنه يجوز اتباع المنادى المضموم لحركة نون « ابن » ؛ فيفتح ؛ نحو : « يا زيد ابن عمرو ، ويا هند ابنة بكر » بفتح الدال من « زيد » و « هند » وضمّها ، فلو كانت الضمة مقدّرة نحو ما نحن فيه ، فإنّ الضمة مقدّرة على ألف « عيسى » فهل يقدّر بناؤه على الفتح اتباعا كما في الضمّة الظاهرة ؟ فيه خلاف : الجمهور على عدم جوازه ؛ إذ لا فائدة في ذلك ، فإنه إنما كان للاتباع ، وهذا المعنى مفقود في الضمّة المقدرة ، وأجاز الفراء « 1 » ذلك ؛ إجراء للمقدّر مجرى الظاهر ، وتبعه أبو البقاء « 2 » ؛ فإنه قال : « يجوز أن يكون على الألف من « عيسى » فتحة ؛ لأنه قد وصف ب « ابن » وهو بين علمين ، وأن يكون عليها ضمّة ، وهو مثل قولك : « يا زيد بن عمرو » بفتح الدال وضمّها » ، وهذا الذي قالاه غير بعيد ، ويشهد له مسألة عند الجميع : وهو ما إذا كان المنادى مبنيّا على الكسر مثلا ؛ نحو : « يا هؤلاء » ، فإنهم أجازوا في صفته الوجهين : الرفع والنصب ، فيقولون : « يا هؤلاء العقلاء والعقلاء » بنصب العقلاء ورفعها ، قالوا : والرفع مراعاة لتلك الضمة المقدّرة على « هؤلاء » ، فإنه مفرد معرفة ، والنصب على محلّه ، فقد اعتبروا الضمة المقدّرة في الاتباع ، وإن كان ذلك فائتا في اللفظ ، وقد يفرّق بأنّ « هؤلاء » نحن مضطّرون فيه إلى تقدير تلك الحركة ؛ لأنه مفرد معرفة ، فكأنها ملفوظ بها بخلاف تقدير الفتحة هنا . وقال الواحديّ في « يا عيسى » ويجوز أن [ يكون ] في محلّ النصب ؛ لأنه في نية الإضافة ، ثم جعل الابن توكيدا له ، وكل ما كان مثل هذا ؛ جاز فيه الوجهان ؛ نحو : « يا زيد بن عمرو » ؛ وأنشد : [ الرجز ]
2083 - يا حكم بن المنذر بن الجارود * أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود
سرادق المجد عليك ممدود « 3 »
بنصب الأول ورفعه على ما بيّنّا ، وقال التبريزيّ : الأظهر عندي أنّ موضع « عيسى » نصب ؛ لأنك تجعل الاسم مع نعته إذا أضفته إلى العلم كالشئ الواحد المضاف ، وهذا الذي قالاه لا يشبه كلام النحاة أصلا ، بل يقولون : الفتحة للاتباع ، ولم يعتدّ بالساكن ؛ لأنه حاجز غير حصين ، كذا قال أبو حيان . قال شهاب الدين « 4 » : الذي قد قاله الزمخشريّ - وكونه ليس من النحاة مكابرة في الضّروريّات - عند قوله : « إذ قال
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 326 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 231 . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 2 / 645 .