تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
عندي ضعيف ؛ لأنه تبارك وتعالى قال في صفة أهل الثّواب :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
[ الأنبياء : 103 ] ، وقال :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
[ عبس : 38 ، 39 ] ، بل إنّه تبارك وتعالى قال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ البقرة : 62 ] ، فكيف يكون حال الأنبياء والرّسل أقلّ من ذلك ، ومعلوم أنّهم لو خافوا لكانوا أقلّ من منزلة هؤلاء الّذين أخبر اللّه عنهم أنّهم لا يخافون ألبتّة . وثانيها : أنّ المراد منه المبالغة في تحقيق فضيحتهم ، كمن يقول لغيره : ما تقول في فلان ؟ فيقول : أنت أعلم به منّي ، كأنّه قيل : لا يحتاج فيه إلى الشّهادة لظهوره ، وهذا أيضا ليس بقويّ ؛ لأنّ السّؤال إنّما وقع على كلّ الأمّة ، وكلّ الأمّة ما كانوا كافرين حتّى يريد الرّسول بالنفي تبكيتهم وفضيحتهم . وثالثها : وهو الأصحّ ، وهو اختيار ابن عبّاس : أنّهم إنّما قالوا : لا علم لنا ؛ لأنّك تعلم ما أظهروا وما أضمروا ، ونحن لا نعلم إلّا ما أظهروا ، فعلمك فيهم أقوى من علمنا ؛ فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم ؛ لأنّ علمهم عند اللّه تعالى كلا علم ، وهذا يروى عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم . ورابعها : ما تقدّم أنّ قولهم : لا علم لنا إلا أنّا علمنا جوابهم لنا وقت حياتنا ، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا . وخامسها : قال ابن الخطيب « 1 » : ثبت في علم الأصول أنّ العلم غير ، والظّنّ غير ، فالحاصل أنّ عند كلّ أحد من حال الغير إنّما هو الظّنّ لا العلم ، وكذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : « إنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته ، فمن حكمت له بغير حقّه فكأنّما قطعت له قطعة من النّار » ، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قالوا : لا علم لنا ألبتّة بأحوالهم ، إنّما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظّنّ ، والظّنّ كان معتبرا في الدّنيا لا في الآخرة ، لأنّ الأحكام في الآخرة مبنيّة على حقائق الأشياء وبواطن الأمور ، فلهذا السّبب قالوا :
« لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا »
ولم يذكروا ألبتّة ما عندهم من الظّنّ ؛ لأنّ الظّنّ لا عبرة به في القيامة . وسادسها : أنهم لمّا علموا أنّه تعالى عالم لا يجهل ، حكيم لا يسفه ، عادل لا يظلم ، علموا أنّ قولهم لا يفيد خيرا ولا يدفع شرا ، فرأوا أنّ الأدب في السكوت ، وفي تفويض الأمر إلى « 2 » العدل الحي الذي لا يموت . وسابعها : معناه : لا علم لنا إلّا ما علّمتنا فحذف ، وهذا مرويّ عن ابن عبّاس ، ومجاهد .
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 12 / 103 . ( 2 ) في أ : إلى أنى .