تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
و « علّام » مثال مبالغة ، فهو ناصب لما بعده تقديرا ، وبهذا أيضا يردّ على الزمخشريّ على تقدير تسليم صحّة وصف الضمير من حيث إنه نكرة ؛ لأن إضافته غير محضة وموصوفه معرفة . والجمهور على ضمّ العين من « الغيوب » وهو الأصل ، وقرأ « 1 » حمزة وأبو بكر بكسرها ، والخلاف جار في ألفاظ أخر نحو : « البيوت والجيوب والعيون والشّيوخ » وقد تقدّم تحرير هذا كله في البقرة عند ذكر
الْبُيُوتَ
[ البقرة : 189 ] ، وستأتي كلّ لفظة من هذه الألفاظ معزوّة لقارئها في سورها - إن شاء اللّه تعالى - وجمع الغيب هنا ، وإن كان مصدرا لاختلاف أنواعه ، وإن أريد به الشيء الغائب ، أو قلنا : إنه مخفّف من فيعل ؛ كما تقدم تحقيقه في البقرة [ الآية 3 ] ، فواضح .

فصل في معنى الآية

معنى الآية الكريمة :
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ
، وهو يوم القيامة
فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ
أممكم ، وما الذي ردّ عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي ؟ فيقولون :
« لا عِلْمَ لَنا »
بوجه من الحكمة عن سؤالك إيّانا عن أمر أنت أعلم به منّا . قال ابن جريج « 2 » - رحمه اللّه - : « لا علم لنا بعاقبة أمرهم ، وبما أحدثوا من بعد يدلّ عليه قولهم :
« إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
أي : أنت الذي تعلم ما غاب ، ونحن لا نعلم ما غاب إلّا ما نشاهد . فإن قيل : ظاهر قولهم :
« لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
يدلّ على أنّ الأنبياء لا يشهدون لأممهم ، والجمع بين هذا وبين قوله تعالى
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] مشكل ، وأيضا قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] ، فإذا كانت أمّتنا تشهد لسائر الأمم ، فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم . فالجواب من وجوه : أحدها : قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، والسدّيّ : إنّ القيامة زلازل وأهوال ، بحيث تزول القلوب عن مواضعها عند مشاهدتها ، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - عند مشاهدة تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور ، فهنالك يقولون : لا علم لنا ، فإن عادت قلوبهم إليهم ، فعند ذلك يشهدون للأمم « 3 » . قال ابن الخطيب « 4 » : وهذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم من الأكابر فهو
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة 178 . 179 ، والحجة 2 / 280 . 282 ، والعنوان 73 ، وحجة القراءات 127 ، وشرح شعلة 286 ، 355 ، وشرح الطيبة 4 / 93 ، وإتحاف 1 / 532 . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 2 / 76 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 2 / 107 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 102 .