تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
يتعرّض له ألبتّة ، ولم يتعرّض لها صاحبها أيضا ، وكلّ ذلك إنّما كان ؛ لأنّ اللّه تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام .

[ فصل في تفسير الآية ]

قال القرطبي « 1 » : ذكر العلماء في جعل اللّه تعالى هذه الأشياء قياما للناس ، أنّ اللّه تعالى خلق الخلق على سليقة الآدميّين ، من التّحاسد ، والتّنافر ، والتّقاطع ، والتدابر ، والسّلب ، والغارة ، والقتل ، والثّأر ، فلم يكن بدّ في الحكمة الإلهيّة أن يكون مع الحال وازع يحمد « 2 » معه المآل ، فقال تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] فأمرهم اللّه تعالى بالخلافة ، وجعل أمورهم إلى واحد يمنعهم من التّناوش ، ويحملهم على التّآلف من التّقاطع ، وردّ المظالم عن المظلوم ، ويقرّر « 3 » كلّ يد على ما تستولي عليه . واعلم : أنّ جور السّلطان عام واحد أقلّ أذاه « 4 » كون النّاس فوضى لحظة واحدة ، فأنشأ اللّه تعالى الخليقة لهذه الفائدة ، لتجري على رأيه « 5 » الأمور ، ويكف اللّه تعالى به عادية الأمور فعظّم اللّه تعالى في قلوبهم البيت الحرام ، [ وأوقع في قلوبهم هيبته ] « 6 » وعظّم بينهم حرمته ، فكان من لجأ إليه معصوما قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت : 67 ] . قوله « ذلك » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : الحكم الذي حكمناه ذلك لا غيره . والثاني : أنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، أي : ذلك الحكم هو الحقّ لا غيره . الثالث : أنه منصوب بفعل مقدّر يدلّ عليه السّياق ، أي : شرع اللّه ذلك ، وهذا أقواها ؛ لتعلّق لام العلّة به ، و « تعلموا » منصوب بإضمار « أن » بعد لام كي ، لا بها ، و « أنّ اللّه » وما في حيّزها سادّة مسدّ المفعولين أو أحدهما على حسب الخلاف المتقدّم ، و
« أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
نسق على « أنّ » قبلها . فإن قيل : أيّ اتّصال لهذا الكلام بما قبله . قيل : لمّا علم في الأزل أنّ مقتضى طباع العرب الحرص الشّديد على القتل والغارة ، وعلم أنّ هذه الحالة لو دامت بهم ، لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه ، وأدّى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلّيّة ، دبّر في ذلك تدبيرا لطيفا ، وهو أنّه تعالى ألقى في قلوبهم تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه ، فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 6 / 210 . ( 2 ) في أ : يحمل . ( 3 ) في أ : وتقدر . ( 4 ) في أ : إيدائه . ( 5 ) في أ : ذاته . ( 6 ) في أ : مما وقع في تقويم هيبته .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 539 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب