تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
لمّا حرّم اللّه تعالى الاصطياد على المحرمين ، وبيّن أنّ الإحرام سبب لأمن الوحش والطّير ، بيّن هاهنا أنّ ذلك التّحريم الذي حرّمه الإحرام ؛ إنّما سببه حرمة هذا البيت الحرام ، فكما أنّه سبب لأمن الوحش والطّير ، فكذلك هو سبب لأمن النّاس عن الآفات والمخافات . قوله :
« جَعَلَ اللَّهُ »
: فيها وجهان : أحدهما : أنها بمعنى « صيّر » فتتعدّى لاثنين ، أولهما « الكعبة » والثاني « قياما » . والثاني : أن تكون بمعنى « خلق » ، فتتعدّى لواحد ، وهو « الكعبة » ، و « قياما » نصب على الحال ، وقال بعضهم : إنّ « جعل » هنا بمعنى « بيّن » و « حكم » ، وهذا ينبغي أن يحمل على تفسير المعنى لا تفسير اللغة ؛ إذ لم ينقل أهل العربية ؛ أنها تكون بمعنى « بيّن » ولا « حكم » ، ولكن يلزم من الجعل البيان ، وأمّا « البيت » ، فانتصابه على أحد وجهين : إما البدل ، وإما عطف البيان ، وفائدة ذلك : أن بعض الجاهليّة - وهم خثعم - سمّوا بيتا الكعبة اليمانية ، فجيء بهذا البدل ، أو البيان ، تبيينا له من غيره ، وقال الزمخشريّ « 1 » :
« الْبَيْتَ الْحَرامَ »
عطف بيان على جهة المدح ، لا على جهة التوضيح ؛ كما تجيء الصفة كذلك » ، واعترض عليه أبو حيان بأن شرط البيان الجمود ، والجمود لا يشعر بمدح ، وإنما يشعر به المشتقّ ، ثم قال : « إلّا أن يريد أنه لمّا وصف البيت بالحرام اقتضى المجموع ذلك فيمكن » . والكعبة لغة : كلّ بيت مربّع ، وسمّيت الكعبة كعبة لذلك ، وأصل اشتقاق ذلك من الكعب الذي هو أحد أعضاء الآدميّ ، قال الراغب « 2 » : « كعب الرجل » العظم الذي عند ملتقى الساق والقدم ، والكعبة كلّ بيت على هيئتها في التّربيع ، والعرب تسمّي كلّ بيت مربّع كعبة ؛ لانفرادها من البناء . وقيل : سمّيت كعبة لارتفاعها من الأرض ، وأصلها من الخروج والارتفاع ، وسمّي الكعب كعبا لنتوئه ، وخروجه من جانبي القدم ، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثدياها تكعّبت والكعبة لمّا ارتفع ذكرها سمّيت بهذا الاسم ، ويقولون لمن عظم أمره « فلان علا كعبه » وذو الكعبات : بيت كان في الجاهلية لبني ربيعة ، وتقدّم الكلام في هذه المادة أول السورة [ آية 6 ] .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 1 / 681 . ( 2 ) ينظر : المفردات 450 .