تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
الحرام وفي الشّهر الحرام ، فلمّا حصل الأمن في هذا المكان ، وفي هذا الزّمان ، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا المكان ، فاستقامت مصالح معايشهم ، وهذا التّدبير لا يمكن إلّا إذا كان في الأزل عالما بجميع المعلومات من الكلّيّات والجزئيّات ، وأنّه بكلّ شيء عليم . وقيل في الجواب : أنّ اللّه جعل الكعبة قياما للنّاس ، لأنّه يعلم صلاح العباد ، كما يعلم ما في السّماء وما في الأرض . وقال الزّجّاج « 1 » : وقد سبق في هذ السّورة الإخبار عن الغيوب ، والكشف عن الأسرار ، مثل قوله تعالى :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
[ المائدة : 41 ] ، ومثل إخباره بتحريفهم الكتب « 2 » فقوله ذلك ليعلموا أنّ اللّه يعلم ما في السّموات وما في الأرض راجع إليه . وقوله تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، لمّا ذكر تعالى أنواع رحمته لعباده ، ذكر بعده شدّة العقاب ؛ لأنّ الإيمان لا يتمّ إلا بالرّجاء والخوف . قال - عليه السلام - : « لو وزن المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » « 3 » ، ثمّ ذكر بعده ما يدلّ على الرّحمة ، وهو كونه غفورا رحيما ، وهذا يدلّ على أنّ جانب الرّحمة أغلب ؛ لأنّه تعالى ذكر فيما قبل أنواع رحمته وكرمه ، ثمّ ذكر أنّه شديد العقاب ، ثمّ ذكر عقيبه وصفين من أوصاف الرحمة ، وهو كونه غفورا رحيما ، وهذا يدلّ على تغليب جانب الرّحمة على جانب العذاب . قوله تعالى :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
لما قدّم التّرغيب والتّرهيب بقوله :
أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، أتبعه بذكر التّكليف ، فقال تعالى :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
يعني : أنّه مكلّف بالتّبليغ ، فلما بلّغ خرج عن العهدة ، وبقي الأمر من جانبنا ، وإذا علم بما تبدون وما تكتمون فإن خالفتم ، فاعلموا أنّ اللّه شديد العقاب ، وإن أطعتم فاعلموا أنّ اللّه غفور رحيم . قوله :
« إِلَّا الْبَلاغُ »
: في رفعه وجهان : أحدهما : أنه فاعل بالجارّ قبله ؛ لاعتماده على النفي ، أي : ما استقرّ على الرّسول إلا البلاغ . والثاني : أنه مبتدأ ، وخبره الجارّ قبله ، وعلى التقديرين ، فالاستثناء مفرّغ . والبلاغ يحتمل أن يكون مصدرا [ ل « بلّغ » مشدّدا ، أي : ما عليه إلا التبليغ ، فجاء على حذف الزوائد ، ك « نبات » بعد « أنبت » ، ويحتمل أن يكون مصدرا ] ل « بلغ » مخفّفا
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 2 / 68 . ( 2 ) في أ : الكذب . ( 3 ) تقدم .