تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
وقد تقدّم إعراب هذا في نحو قوله تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
[ البقرة : 96 ] ، فأغنى عن إعادته وقال ابن عطيّة « 1 » : « اللام للابتداء » ، وليس بشيء ، بل هي لام يتلقّى بها القسم ، و
« أَشَدَّ النَّاسِ »
مفعول أوّل ، و « عداوة » نصب على التمييز ، و « للّذين » متعلّق بها ، قويت باللام ؛ لمّا كانت فرعا في العمل على الفعل ، ولا يضرّ كونها مؤنثة بالتاء ؛ لأنها مبنية عليها ؛ فهي كقوله : [ الطويل ]
2031 - . . . ورهبة * عقابك . . . « 2 »
ويجوز أن يكون « للّذين » صفة ل « عداوة » فيتعلّق بمحذوف ، و « اليهود » مفعول ثان ، وقال أبو البقاء « 3 » : « ويجوز أن يكون « اليهود » هو الأول ، و « أشدّ » هو الثاني » وهذا هو الظاهر ؛ إذ المقصود أن يخبر اللّه تعالى عن اليهود والمشركين بأنّهم أشدّ الناس عداوة للمؤمنين ، وعن النصارى بأنهم أقرب الناس مودّة لهم ، وليس المراد أن يخبر عن أشدّ الناس وأقربهم بكونهم من اليهود والنصارى ، فإن قيل : متى استويا تعريفا وتنكيرا ، وجب تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني ؛ كما يجب في المبتدأ والخبر ، وهذا من ذاك ، فالجواب : أنه إنما يجب ذلك حيث ألبس ، أما إذا دلّ دليل على ذلك ، جاز التقديم والتأخير ؛ ومنه قول : [ الطويل ]
2032 - بنونا بنو أبنائنا ، وبناتنا * بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد « 4 »
ف « بنو أبناء » هو المبتدأ ، و « بنونا » خبره ؛ لأنّ المعنى على تشبيه أولاد الأبناء بالأبناء « 5 » ؛ ومثله قول الآخر : [ البسيط ]
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 225 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ذكر في الإملاء 1 / 223 أن اليهود : هو المفعول الثاني لتجد . ( 4 ) البيت للفرزدق ينظر : خزانة الأدب 1 / 444 ، الانصاف 1 / 66 ، شرح شواهد المغني 2 / 848 ، شرح المفصل 1 / 99 ، شرح الأشموني 1 / 99 ، شرح ابن عقيل 119 ، الدرر 2 / 24 ، الحيوان 1 / 346 ، أوضح المسالك 1 / 106 ، مغني اللبيب 2 / 452 ، همع الهوامع 1 / 102 ، تخليص الشواهد 198 ، دلائل الإعجاز 240 ، ارتشاف الضرب 2 / 41 ، الدر المصون 2 / 590 . ( 5 ) الأصل تقديم المبتدأ وتأخير الخبر ؛ لأن المبتدأ محكوم عليه ، فلا بد من تقديمه ليتحقق ، ويجوز تأخيره حيث لا مانع نحو : قائم زيد ، ويجب التزام الأصل ، لأسباب أحدها : أن يوهم التقديم ابتدائية الخبر ، بأن يكونا معرفتين أو نكرتين متساويتين ، ولا قرينة ، نحو : زيد أخوك ، وأفضل منك أفضل مني ، فإن كان قرينة ، جاز التقديم ، نحو : أبو يوسف أبو حنيفة ، وقوله بنونا بنو أبنائنا ؛ حيث قدم الخبر وهو « بنونا » على المبتدأ وهو « بنو أبنائنا » مع استواء المبتدأ والخبر في التعريف ، فإن كلّا منهما مضاف إلى ضمير المتكلم ، وإنما ساغ ذلك ؛ لوجود قرينة معنوية تعين المبتدأ منهما ، فإنك قد عرفت أن الخبر هو محط الفائدة ؛ فما يكون فيه أساس التشبيه ، وهو الذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يكون بنونا هو المبتدأ لأنه يلزم فيه إلّا يكون له بنون إلّا بني أبنائه ، وليس المعنى على ذلك ، فجاز تقديم الخبر هنا مع كونه معرفة ، لظهور المعنى وأمن اللبس .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 474 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب