تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
أحدها : أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : لا تغلوا في دينكم غلوّا غير الحقّ ، أي : غلوّا باطلا ، ولم يذكر الزمخشريّ غيره . الثاني : أنه منصوب على الحال من ضمير الفاعل في « تغلوا » ، أي : لا تغلوا مجاوزين الحقّ ، ذكره أبو البقاء « 1 » . الثالث : أنه حال من « دينكم » ، أي : لا تغلوا فيه وهو باطل ، بل اغلوا فيه وهو حقّ ؛ ويؤيّد هذا ما قاله الزمخشريّ ؛ فإنه قال : « لأنّ الغلوّ في الدين غلوّان : حقّ ؛ وهو أن يفحص عن حقائقه ، ويفتّش عن أباعد معانيه ، ويجتهد في تحصيله حججه ، وغلوّ باطل ؛ وهو أن يتجاوز الحقّ ويتخطّاه بالإعراض عن الأدلّة » . الرابع : أنه منصوب على الاستثناء المتّصل . الخامس : على الاستثناء المنقطع ، ذكر هذين الوجهين أبو حيان « 2 » عن غيره ، واستبعدهما ؛ فإنه قال : « وأبعد من ذهب إلى أنها استثناء متّصل ، ومن ذهب إلى أنها استثناء منقطع ، ويقدّره ب « لكن الحق فاتبعوه » قال شهاب الدين « 3 » : والمستثنى منه يعسر تعيينه ، والذي يظهر فيه : أنه قوله تعالى :
« فِي دِينِكُمْ »
؛ كأنه قيل : لا تغلوا في دينكم إلا الدّين الحقّ ، فإنه يجوز لكم الغلوّ فيه ، ومعنى الغلوّ فيه ما تقدّم من تقرير الزمخشريّ له . وذكر الواحديّ فيه الحال والاستثناء ، فقال : وانتصاب
« غَيْرَ الْحَقِّ »
من وجهين : أحدهما : الحال والقطع من الدّين ؛ كأنه قيل : لا تغلوا في دينكم مخالفين للحقّ ؛ لأنهم خالفوا الحقّ في دينهم ، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه . والثاني : أن يكون منصوبا على الاستثناء ، فيكون « الحقّ » مستثنى من المنهيّ عن الغلوّ فيه ؛ بأن يجوز الغلوّ فيما هو حقّ على معنى اتباعه والثبات عليه ، وهذا نصّ كما ذكرنا من أنّ المستثنى هو « دينكم » . وتقدّم معنى الغلوّ في سورة النساء [ الآية 171 ] فظاهر هذه الأعاريب المتقدّمة : أنّ « تغلوا » فعل لازم ، وكذا نصّ عليه أبو البقاء « 4 » ، إلا أن أهل اللغة يفسّرونه بمعنى متعدّ ؛ فإنهم قالوا : معناه لا تتجاوزوا الحدّ ، قال الراغب « 5 » : الغلوّ تجاوز الحدّ ، يقال ذلك إذا كان في السّعر « غلاء » ، وإذا كان في القدر والمنزلة « غلوّا » ، وفي السهم « غلوا » ، وأفعالها جميعا غلا يغلو ؛ فعلى هذا : يجوز أن ينتصب
« غَيْرَ الْحَقِّ »
مفعولا به ، أي : لا تتجاوزوا في دينكم غير الحقّ ، فإن فسّرنا « تغلوا » بمعنى تتباعدوا من قولهم : « غلا السّهم » ، أي : تباعد كان قاصرا ، فيحتمل أن يكون من قال بأنه لازم ، أخذه من هذا لا من الأوّل .
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 223 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 547 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 2 / 586 . ( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 223 . ( 5 ) ينظر : المفردات 377 .