تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
- حيث قال :
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[ مريم : 42 ] . قوله تعالى :
« ما لا يَمْلِكُ » :
يجوز أن تكون « ما » بمعنى « الّذي » ، وأن تكون نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صلة ، فلا محلّ لها ، أو صفة ، فمحلّها النصب ، وفي وقوع « ما » على العاقل هنا ؛ لأنه أريد به عيسى وأمّه وجوه : أحدها : أنه أتي ب « ما » مرادا بها العاقل ؛ لأنها مبهمة تقع على كل شيء ، كذا قاله سيبويه « 1 » ، أو أريد به النوع ؛ كقوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 3 ] ، أي : النوع الطّيّب ، أو أريد به العاقل مع غيره ؛ لأنّ أكثر ما عبد من دون اللّه غير عاقل ؛ كالأصنام والأوثان والكواكب والشّجر ، أو شبهه على أول أحواله ؛ لأنه في أول حاله لا يوصف بعقل ، فكيف يتّخذ إلها معبودا ؟ قوله تعالى :
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
« هو » : يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا ، و « السّميع » خبره ، و « العليم » خبر ثان أو صفة ، والجملة خبر الأوّل ، ويجوز أن يكون فصلا ، وقد عرف ما فيه ، ويجوز أن يكون بدلا ، وهذه الجملة الظاهر فيها : أنها لا محلّ لها من الإعراب ، ويحتمل أن يكون في محلّ نصب على الحال من فاعل « تعبدون » ، أي : أتعبدون غير اللّه ، والحال أن اللّه هو المستحقّ للعبادة ؛ لأنه يسمع كلّ شيء ويعلمه ، وإليه ينحو كلام الزمخشريّ ؛ فإنه قال :
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
متعلّق ب « أتعبدون » ، أي : أتشركون باللّه ولا تخشونه ، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون ؟ أتعبدون العاجز ، واللّه هو السميع العليم ؟ . انتهى ، والرابط بين الحال وصاحبها الواو ، ومجيء هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة ؛ فإنّ السميع يسمع ما يشكى إليه من الضّرّ وطلب النفع ، ويعلم مواقعهما كيف يكونان ؟ قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 77 إلى 78 ]

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) لما تكلّم أوّلا على أباطيل اليهود ، ثم تكلّم ثانيا على أباطيل النّصارى ، وأقام الدّلائل على بطلانها وفسادها ، فعند هذا خاطب مجموع الفريقين ، فقال تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
، أي : لا تتجاوزوا الحدّ ، والغلوّ نقيض التّقصير ، ومعناه : الخروج عن الحدّ . قوله تعالى :
« غَيْرَ الْحَقِّ » :
فيه خمسة أوجه :
هامش
( 1 ) ينظر : الكتاب 2 / 309 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 465 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب