« من بيوتكما وعمائمكما وأسيافكما » لأمن اللّبس .
وبقولي : « مفردين » : من نحو : « العينين واليدين » ، فأمّا قوله تعالى :
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[ المائدة : 38 ] ، ففهم بالإجماع .
وبقولي : « من غير تفريق » : تحرّز من نحو : قطعت رأس الكبشين : السّمين والكبش الهزيل ؛ ومنه هذه الآية ، فلا يجوز إلا الإفراد ، وقال بعضهم : « هو مختار » ، أي : فيجوز غيره ، وقد مضى تحقيق هذه القاعدة .
قال شهاب الدين « 1 » : وفي النفس من كون المراد باللسان الجارحة شيء ، ويؤيّد ذلك ما قاله الزمخشريّ « 2 » ؛ فإنه قال : « نزّل اللّه لعنهم في الزّبور على لسان داود ، وفي الإنجيل على لسان عيسى » ، وقوة هذا تأبى كونه الجارحة ، ثم إنّي رأيت الواحديّ ذكر عن المفسّرين قولين ، ورجّح ما قلته ؛ قال - رحمه اللّه - : « وقال ابن عبّاس : يريد في الزّبور وفي الإنجيل ، ومعنى هذا : أنّ اللّه تعالى لعن في الزّبور من يكفر من بني إسرائيل ، وكذلك في الإنجيل ، وقيل : على لسان داود وعيسى ؛ لأنّ الزبور لسان داود ، والإنجيل لسان عيسى » ، فهذا نصّ في أن المراد باللسان غير الجارحة ، ثم قال : « وقال الزّجّاج « 3 » : « وجائز أن يكون داود وعيسى علما أنّ محمّدا نبيّ مبعوث ، وأنهما لعنا من يكفر به » ، والقول هو الأوّل ، فتجويز الزجّاج لذلك ظاهر أنه يراد باللسان الجارحة ، ولكن ليس قولا للمفسّرين ، و « على لسان » متعلّق ب « لعن » قال أبو البقاء « 4 » : « كما يقال :
جاء زيد على فرس » ، وفيه نظر ؛ إذ الظاهر أنه حال ، وقوله :
« ذلِكَ بِما عَصَوْا »
قد تقدّم نظيره ، وقوله :
« وَكانُوا يَعْتَدُونَ »
في هذه الجملة الناقصة وجهان :
أظهرهما : أن تكون عطفا على صلة « ما » وهو « عصوا » ، أي : ذلك بسبب عصيانهم وكونهم معتدين .
والثاني : أنها استئنافية ، أي : أخبر اللّه تعالى عنهم بذلك ، قال أبو حيان « 5 » :
« ويقوّي هذا ما جاء بعده كالشّرح له ، وهو قوله : كانوا لا يتناهون » .
قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 79 إلى 81 ]
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 )
قوله تعالى :
« كانُوا لا يَتَناهَوْنَ »
التّناهي هاهنا له معنيان :
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 2 / 587 .
( 2 ) ينظر : الكشاف 1 / 666 .
( 3 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 218 .
( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 223 .
( 5 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 548 .