تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
واعلم : أنّ عادة اللّه في ترتيب هذا الكتاب الكريم ، أن يذكر الأحكام ، ثمّ يذكر عقيبه « 1 » آيات الوعد والوعيد ، والتّرغيب والتّرهيب ، ويخلط بها آيات دالة على كبرياء اللّه - تعالى - وجلال قدرته ، ثم يعود إلى بيان الأحكام ، وهذا أحسن أنواع التّرتيب ، وأقوى تأثيرا في القلوب ؛ لأن التّكليف بالأعمال الشّاقّة لا يقع موقع القبول ، إلا إذا اقترن « 2 » بالوعد والوعيد ، وذلك لا يؤثّر إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد . قوله [ تعالى ] « 3 » :
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ
الآية اعلم : أن الاستفتاء لا يقع عن ذوات النّساء ، وإنّما يقع عن حالة من أحوالهنّ ، وصفة من صفاتهن ، وتلك الحالة غير مذكورة في الآية ، فكانت مجملة غير دالّة على الأمر الذي « 4 » وقع عنه الاستفتاء .

فصل في سبب نزول الآية

قال القرطبي « 5 » : هذه الآية نزلت بسبب قوم من الصّحابة ، سألوا عن أمر النّساء وأحكامهن في الميراث « 6 » وغير ذلك ، فأمر اللّه نبيّه - عليه الصلاة والسلام - أن يقول لهم :
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ
أي : يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه ، وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السّورة من أمر النّساء ، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها ، فسألوا ؛ فقيل لهم : [ إن ] « 7 » اللّه يفتيكم فيهنّ . [ وروي عن مالك قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي ، وذلك في كتاب اللّه :
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ
] « 8 »
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى
[ البقرة : 220 ]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
[ البقرة : 219 ]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ
[ طه : 105 ] و
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ
[ المائدة : 4 ] .
« وَما يُتْلى »
: فيه سبعة أوجه ، وذلك أن موضع « ما » يحتمل أن يكون رفعا ، أو نصبا ، أو جرا ، فالرّفع من ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون مرفوعا ، عطفا على الضّمير المستكنّ في « يفتيكم » العائد على اللّه - تعالى - ، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجارّ والمجرور ، مع أن الفصل بأحدهما كاف . والثّاني : أنه معطوف على لفظ الجلالة فقط ؛ ذكره أبو البقاء « 9 » وغيره ، وفيه نظر ؛ لأنه : إمّا أن يجعل من عطف مفرد على مفرد ، فكان يجب أن يثنّى الخبر ، وإن توسّط بين المتعاطفين ، فيقال : « يفتيانكم » ، إلّا أنّ ذلك لا يجوز ، ومن ادّعى جوازه ، يحتاج إلى
هامش
( 1 ) في أ : بعده . ( 2 ) في أ : قرن . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : التي . ( 5 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 258 . ( 6 ) في ب : الممات . ( 7 ) سقط في ب . ( 8 ) سقط في ب . ( 9 ) ينظر : الإملاء 1 / 196 .