تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
وقيل : هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمّة لهم ، فإن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم . والقول الثاني : أنّ الآية عامة في كل من جاء من الكفار ، ثم اختلفوا : فمنهم من قال : إنّ الحكم ثابت في سائر الأحكام غير « 1 » منسوخ وهو قول النّخعيّ والشّعبيّ وقتادة ، وعطاء ، وأبي بكر الأصمّ ، وأبي مسلم « 2 » . وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب ، ومنهم من قال : إنه منسوخ بقوله تعالى :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ المائدة : 49 ] وهو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وعكرمة « 3 » [ رضي اللّه عنهم ] ، ومذهب الشافعيّ - رضي اللّه عنه - أنّه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذّمة إن تحاكموا إليه ، لأنّ في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم . فأمّا المعاهد إلى مدّة ، فلا يجب على الحاكم أن يحكم بينهم ، بل يتخيّر في ذلك . قال ابن عباس « 4 » - رضي اللّه عنهما - : لم ينسخ من المائدة إلّا آيتان : قوله تعالى :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
[ المائدة : 2 ] نسخها قوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 5 ] . وقوله تعالى :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
نسخها قوله تعالى :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ المائدة : 49 ] فأمّا إذا تحاكم مسلم وذميّ يجب علينا الحكم بينهما بلا خلاف ، لأنّه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذّمّة . ثمّ قال :
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً
والمعنى أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم ، فإذا لم يحكم بينهم وأعرض عنهم شق عليهم ، وصاروا أعداء له ، فبين تعالى أنّه لا تضره عداوتهم له . ثمّ قال تعالى :
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
أي بالعدل :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
أي : العادلين . قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 43 ]

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) قوله تعالى :
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ
كقوله :
كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] وقد تقدم . [ قوله : ] « 5 » « وعندهم التّوراة » « الواو » للحال ، و « التوراة » يجوز أن تكون مبتدأ والظرف
هامش
( 1 ) في أ : الحكم . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 11 / 186 . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 504 ) وعزاه لأبي عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس . ( 4 ) تقدم في بداية السورة آية 2 . ( 5 ) سقط في أ .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 343 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب